المعصية لا تسوغ قطع الرحم، والبراءة من الإفك
ولا يأتل معناها لا يحلف، من الإلية بمعنى الحلف، وائتلى افتعل من الإلية، ويروي في ذلك أن مسطح بن أثاثة كان ابن خالة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وكان فقيرا مسكينا، ومهاجرا في سبيل الله. وحضر بدرا ولكن زلق لسانه فخاض في حديث الإفك مع قرابته من أبي بكر، الذي كان ينفق عليه لفقره وقرابته، وهجرته، وحضوره بدرا، فلما فعل فعلته، ولاك بلسانه سمعة الصديقة بنت الصديق منع النفقة، وقال : لا أنفعه بنافعة قط، فنهاه الله تعالى عن ذلك١ وكان نهيا عاما لكل من يكون في مثل حال الصديق ومثل حال مسطح، وإن السبب يكون خاصا، ولكن الحكم يكون عاما، وهو نهي عن الحلف، وعن المحذوف به، ومؤداه أنه يجب عليه أن يرد نافعته إليه، ويستمر في النفقة ويحنث في يمينه، كما قال صلى الله عليه وسلم :( من حلف على شيء فرأي غيره خيرا منه فليحنث وليكفر )٢، ولا تصح إيمان مانعة من الخير كما قال تعالى : وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ... ( ٢٢٤ ) [ البقرة ]، أي لا تجعلوها حائلة بينكم وبين أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس.
الفضل هنا هو الخلق الكريم الذي يفيض بالخير على الناس، فالمعنى ولا يأتل أصحاب الفضل الذين لا يشحون بخير على من دونهم، ومن مثل أبي بكر في الفضل بعد النبيين، الذي كان إذا رأى من يفتن في دينه اشتراه من وليه وأعتقه، و( السعة )، أي الخير الكثير في المال، وبذلك يكون أولئك الفضلاء يجمعون بين الخلق الكامل والمال الثري، يفيض بخلقه، ويعطي من ماله، يطالب هؤلاء بأن يغفروا زلات من يعطونهم، كما يغفر الله لهم زلاتهم وخطيئاتهم إن كانت، فيقول سبحانه أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ الاستفهام بمعنى النفي والتنبيه على وجوب الغفران، أي أنه كما أنكم تحبون أن يغفر الله لكم فاصفحوا واعفوا، فإن الجزاء من جنس العمل والوجدان والإحساس، والفرق بين العفو، والصفح، وهو أن العفو هو عدم جزاء السيئة بمثلها، ودفع السيئة بالحسنة، والصفح هو محو آثار الإساءة من النفس، وقد أمر الله تعالى رسوله بالصفح الجميل، فقال عز من قائل :.. فاصفح الصفح الجميل ( ٨٥ ) [ الحجر ] وهو الصفح مع تجافي ما يذكر بالإساءة.
وقد ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ، أي كثير المغفرة بصفات الله، وإن كانت لا تليق إلا بذاته وجلاله.
وقد يستنبط الفقهاء من هذا خطأ من يقول إن الزكاة لا تصرف لعاص، لأن ذلك يتنافى مع معنى هذه الآية ومغزاها الكريم، ولأن منع العاصي ربما يؤدي إلى إسرافه في المعصية، والرفق به قد يقربه ويهديه.
٢ سبق تخريجه..
زهرة التفاسير
أبو زهرة