ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

الْعَقْلِيَّةَ عَلَى بُطْلَانِهِمَا أَيْضًا أَمَّا الوجه الْأَوَّلُ: فَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ فِعْلَ اللُّطْفِ هَلْ يُرَجِّحُ الدَّاعِيَ أَوْ لَا يُرَجِّحُهُ فَإِنْ لَمْ يُرَجِّحْهُ الْبَتَّةَ لَمْ يَكُنْ بِهِ تَعَلُّقٌ فَلَا يَكُونُ لُطْفًا، وَإِنْ رَجَّحَهُ فَنَقُولُ الْمُرَجَّحُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُنْتَهِيًا إِلَى حَدِّ الْوُجُوبِ، فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ التَّرْجِيحِ إِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ وُقُوعُ الْفِعْلِ عِنْدَهُ أَوْ يُمْكِنَ أَوْ يَجِبَ، فَإِنِ امْتَنَعَ كَانَ مَانِعًا لَا دَاعِيًا، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ وَأَنْ لَا يَكُونَ، فَكُلُّ مَا يُمْكِنُ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ، فَلْيُفْرَضْ تَارَةً وَاقِعًا وَأُخْرَى غَيْرَ وَاقِعٍ، فَامْتِيَازُ وَقْتِ الْوُقُوعِ عَنْ وَقْتِ اللَّاوُقُوعِ، إِمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى انْضِمَامِ قَيْدٍ إِلَيْهِ أَوْ لَا يَتَوَقَّفَ، فَإِنْ تَوَقَّفَ كَانَ الْمُرَجَّحُ هُوَ الْمَجْمُوعُ الْحَاصِلُ بَعْدَ انْضِمَامِ هَذَا الْقَيْدِ، فَلَا يَكُونُ الْحَاصِلُ أَوَّلًا مُرَجَّحًا، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ كَانَ اخْتِصَاصُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ بِالْوُقُوعِ وَالْآخَرِ بِاللَّاوُقُوعِ تَرْجِيحًا لِلْمُمْكِنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ وَهُوَ مُحَالٌ، وَأَمَّا إِنَّ اللُّطْفَ مُرَجِّحًا مُوجِبًا كَانَ فَاعِلُ اللُّطْفِ فَاعِلًا لِلْمَلْطُوفِ فِيهِ، فَكَانَ تَعَالَى فَاعِلًا لِفِعْلِ الْعَبْدِ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ عَلَّقَ التَّزْكِيَةَ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَفِعْلُ اللُّطْفِ وَاجِبٌ، وَالْوَاجِبُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَشِيئَةِ الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَلَّقَ التَّزْكِيَةَ عَلَى الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ وَخَلْقُ/ الْأَلْطَافِ وَاجِبٌ فَلَا يَكُونُ مُعَلَّقًا بِالْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ وَأَمَّا الوجه الثَّانِي: وَهُوَ الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ زَكِيًّا فَذَلِكَ واجب لأنه لو يُحْكَمْ بِهِ لَكَانَ كَذِبًا وَالْكَذِبُ عَلَى اللَّه تَعَالَى مُحَالٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالْمَشِيئَةِ؟ فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ نَصٌّ فِي الْبَابِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَقْوَالَكُمْ فِي الْقَذْفِ وَأَقْوَالَكُمْ فِي إِثْبَاتِ الْبَرَاءَةِ، عَلِيمٌ بِمَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ مَحَبَّةِ إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ أَوْ مِنْ كَرَاهِيَتِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ الِاحْتِرَازُ عَنْ معصيته.
[سورة النور (٢٤) : آية ٢٢]
وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى كَمَا أَدَّبَ أَهْلَ الْإِفْكِ وَمَنْ سَمِعَ كَلَامَهُمْ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، فَكَذَلِكَ أَدَّبَ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ أَبَدًا، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ كَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى قَرَابَتِهِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ قُومُوا فَلَسْتُمْ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْكُمْ وَلَا يَدْخُلَنَّ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَقَالَ مِسْطَحٌ أَنْشُدُكَ اللَّه وَالْإِسْلَامَ وَأَنْشُدُكَ الْقُرَابَةَ وَالرَّحِمَ أَنْ لَا تُحْوِجَنَا إِلَى أَحَدٍ، فَمَا كَانَ لَنَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مِنْ ذَنْبٍ، فَقَالَ لِمِسْطَحٍ إِنْ لَمْ تَتَكَلَّمْ فَقَدْ ضَحِكْتَ! فَقَالَ قَدْ كَانَ ذَلِكَ تَعَجُّبًا مِنْ قَوْلِ حَصَانٍ فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ، وَقَالَ انْطَلِقُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ فَإِنَّ اللَّه لَمْ يَجْعَلْ لَكُمْ عُذْرًا وَلَا فَرَجًا، فَخَرَجُوا لَا يدرون أين يذهبون وأن يَتَوَجَّهُونَ مِنَ الْأَرْضِ، فَبَعَثَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُهُ بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا يَنْهَاكَ فِيهِ أَنْ تُخْرِجَهُمْ فَكَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَسَرَّهُ، وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ عَلَيْهِ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُغْفَرَ لِي، وَقَدْ تَجَاوَزْتُ عَمَّا كَانَ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى بَيْتِهِ وَأَرْسَلَ إِلَى مِسْطَحٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ قَبِلْتُ مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَإِنَّمَا فَعَلْتُ بِكُمْ مَا فَعَلْتُ إِذْ سَخِطَ اللَّه عَلَيْكُمْ، أَمَّا إِذَا عَفَا عَنْكُمْ فَمَرْحَبًا بِكُمْ، وَجَعَلَ لَهُ مِثْلَيْ مَا كَانَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهَاهُنَا مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ: وَلا يَأْتَلِ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنِ ائْتَلَى إِذَا حَلَفَ، افْتَعَلَ مِنَ الْأَلِيَّةِ، وَالْمَعْنَى لَا يَحْلِفُ، قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ هَذَا ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: / أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنَ الْحَلِفِ عَلَى الْإِعْطَاءِ وَهُمْ أَرَادُوا الْمَنْعَ مِنَ الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الْإِعْطَاءِ، فَهَذَا الْمُتَأَوِّلُ قَدْ

صفحة رقم 348

أَقَامَ النَّفْيَ مَكَانَ الْإِيجَابِ وَجَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَأْمُورًا بِهِ وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ قَلَّمَا يُوجَدُ فِي الْكَلَامِ افْتَعَلْتُ مَكَانَ أَفْعَلْتُ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ مَكَانَ فَعَّلْتُ، وَهُنَا آلَيْتُ مِنَ الْأَلِيَّةِ افْتَعَلْتُ. فَلَا يُقَالُ أَفْعَلْتُ كَمَا لَا يُقَالُ مِنْ أَلْزَمْتُ الْتَزَمْتُ وَمِنْ أَعْطَيْتُ اعْتَطَيْتُ، ثم قال فِي يَأْتَلِ إِنَّ أَصْلَهُ يَأْتَلِي ذَهَبَتِ الْيَاءُ لِلْجَزْمِ لِأَنَّهُ نَهْيٌ وَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ مَا آلَوْتُ فُلَانًا نُصْحًا، وَلَمْ آلُ فِي أَمْرِي جُهْدًا، أَيْ مَا قَصَّرْتُ وَلَا يَأْلُ وَلَا يَأْتَلِ وَاحِدًا، فَالْمُرَادُ لَا تُقَصِّرُوا فِي أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِمْ وَيُوجَدُ كَثِيرًا افْتَعَلْتُ مَكَانَ فَعَلْتُ تَقُولُ كَسَبْتُ وَاكْتَسَبْتُ وَصَنَعْتُ وَاصْطَنَعْتُ وَرَضِيتُ وَارْتَضَيْتُ، فَهَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ الصَّحِيحُ دُونَ الْأَوَّلِ، وَيُرْوَى هَذَا التَّأْوِيلُ أَيْضًا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ. أَجَابَ الزَّجَّاجُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ بِأَنْ لَا تُخْذَفُ فِي الْيَمِينِ كَثِيرًا قَالَ اللَّه تَعَالَى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا [الْبَقَرَةِ: ٢٢٤] يَعْنِي أَنْ لَا تَبَرُّوا، وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّه أَبْرَحُ قَاعِدًا وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي إِلَيْكِ وَأَوْصَالِي
أَيْ لَا أَبْرَحُ، وَأَجَابُوا عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي، أَنَّ جَمِيعَ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ أَبِي مُسْلِمٍ فَسَّرُوا اللَّفْظَةَ بِالْيَمِينِ وَقَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ فَكَيْفَ الْكُلُّ، وَيُعَضِّدُهُ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ وَلَا يَتَأَلَّ.
المسألة الثَّانِيَةُ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: أُولُوا الْفَضْلِ أَبُو بَكْرٍ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الْفَضْلَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الدِّينِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ لَهُ، وَالْمَدْحُ مِنَ اللَّه تَعَالَى بِالدُّنْيَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُهُ: وَالسَّعَةِ تَكْرِيرًا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْفَضْلَ فِي الدِّينِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الدَّرَجَاتِ فِي الدِّينِ لَمْ يَكُنْ هُوَ صَاحِبَ الْفَضْلِ لِأَنَّ الْمُسَاوِيَ لَا يَكُونُ فَاضِلًا، فَلَمَّا أَثْبَتَ اللَّه تَعَالَى لَهُ الْفَضْلَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُ الْخُلُقِ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي حَقِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ، فَإِنْ قِيلَ نَمْنَعُ إِجْمَاعَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْآيَةِ بِأَبِي بَكْرٍ، قُلْنَا كُلُّ مَنْ طَالَعَ كُتُبَ التَّفْسِيرِ وَالْأَحَادِيثِ عَلِمَ أَنَّ اخْتِصَاصَ هَذِهِ الْآيَةِ بِأَبِي بَكْرٍ بَالِغٌ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، فَلَوْ جَازَ مَنْعُهُ لَجَازَ مَنْعُ كُلِّ مُتَوَاتِرٍ، وَأَيْضًا فَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا أَفْضَلُ النَّاسِ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ إِمَّا أَبُو بَكْرٍ أَوْ عَلِيٌّ، فَإِذَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ عَلِيًّا تَعَيَّنَتِ الْآيَةُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ عَلِيًّا لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا يَتَعَلَّقُ بِابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ فَيَكُونُ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الْبَيْنِ سَمِجًا الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أُولِي السَّعَةِ، وَإِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ مِنْ أُولِي السَّعَةِ فِي الدُّنْيَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ قَطْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى وَصَفَ أَبَا بَكْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِصِفَاتٍ عَجِيبَةٍ دَالَّةٍ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِهِ فِي الدِّينِ أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ كَنَّى عَنْهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْوَاحِدُ إِذَا كُنِّيَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ دَلَّ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِهِ/ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الْحِجْرِ: ٩]، إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الْكَوْثَرِ: ١] فَانْظُرْ إِلَى الشَّخْصِ الَّذِي كَنَّاهُ اللَّه سُبْحَانَهُ مَعَ جَلَالِهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَيْفَ يَكُونُ عُلُوُّ شَأْنِهِ! وَثَانِيهَا: وَصَفَهُ بِأَنَّهُ صَاحِبُ الْفَضْلِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِذَلِكَ بِشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وَالْفَضْلُ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِفْضَالُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَمَا كَانَ فَاضِلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ كَانَ مُفَضَّلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْإِفْضَالَ إِفَادَةُ مَا يَنْبَغِي لَا لِعِوَضٍ، فَمَنْ يَهَبُ السِّكِّينَ لِمَنْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ لَا يُسَمَّى مُفَضَّلًا لِأَنَّهُ أَعْطَى مَا لَا يَنْبَغِي، وَمَنْ أَعْطَى لِيَسْتَفِيدَ مِنْهُ عِوَضًا إِمَّا مَالِيًّا أَوْ مَدْحًا أَوْ ثَنَاءً فَهُوَ مُسْتَفِيضٌ واللَّه تَعَالَى قَدْ وَصَفَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ

صفحة رقم 349

نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
[اللَّيْلِ: ١٧- ٢٠] وَقَالَ فِي حَقِّ عَلِيٍّ: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً [الْإِنْسَانِ: ٩، ١٠] فِعَلِيٌّ أَعْطَى لِلْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ، وَأَبُو بَكْرٍ مَا أَعْطَى إِلَّا لِوَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، فَدَرَجَةُ أَبِي بَكْرٍ أَعْلَى فَكَانَتْ عَطِيَّتُهُ فِي الْإِفْضَالِ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ قَالَ: أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ فَكَلِمَةُ مِنْ لِلتَّمْيِيزِ، فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَيَّزَهُ عَنْ كُلِّ الْمُؤْمِنِينَ بِصِفَةِ كَوْنِهِ أُولِي الْفَضْلِ، وَالصِّفَةُ الَّتِي بِهَا يَقَعُ الِامْتِيَازُ يَسْتَحِيلُ حُصُولُهَا فِي الْغَيْرِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ مُمَيِّزَةً لَهُ بِعَيْنِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ خَاصَّةٌ فِيهِ لَا فِي غَيْرِهِ الْبَتَّةَ وَخَامِسُهَا: أَمْكَنَ حَمْلُ الْفَضْلِ عَلَى طَاعَةِ اللَّه تَعَالَى وَخِدْمَتِهِ وَقَوْلُهُ: وَالسَّعَةِ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَأَنَّهُ كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِلتَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّه وَهُمَا مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ الصِّدِّيقِينَ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اللَّه مَعَهُ لِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ وَلِأَجْلِ اتِّصَافِهِ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ قَالَ لَهُ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التَّوْبَةِ: ٤٠] وَسَادِسُهَا: إِنَّمَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مَوْصُوفًا بِالسَّعَةِ لَوْ كَانَ جَوَّادًا بَذُولًا،
وَلَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ»
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَلَقَدْ كَانَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ جَوَّادًا بَذُولًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْ جُودِهِ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ بُكْرَةَ الْيَوْمِ جَاءَ بِعُثْمَانَ بْنُ عَفَّانَ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ إِلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمُوا عَلَى يَدِهِ، وَكَانَ جُودُهُ فِي التَّعْلِيمِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى الدِّينِ وَالْبَذْلِ بِالدُّنْيَا كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ، فَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السَّعَةِ، وَأَيْضًا فَهَبْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ إِسْلَامِ عَلِيٍّ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَكِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَلِيًّا حِينَ أَسْلَمَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ اشْتَغَلَ بِالدَّعْوَةِ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ النَّاسِ اشْتِغَالًا بِالدَّعْوَةِ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَجَلَّ الْمَرَاتِبِ فِي الدِّينِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ
وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِأَبِي بَكْرٍ مِثْلُ أَجْرِ كُلِّ مَنْ يَدْعُو إِلَى اللَّه، فَيَدُلُّ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَيْضًا وَسَابِعُهَا: أَنَّ الظُّلْمَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى أَشَدُّ، قَالَ الشَّاعِرُ:

وَظُلْمُ ذَوِي الْقُرْبَى أَشُدُّ مَضَاضَةً عَلَى الْمَرْءِ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ
وَأَيْضًا فَالْإِنْسَانُ إِذَا أَحْسَنَ إِلَى غَيْرِهِ فَإِذَا قَابَلَهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ بِالْإِسَاءَةِ كَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِمَّا إِذَا صَدَرَتِ الْإِسَاءَةُ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْجِهَتَانِ كَانَتَا مُجْتَمِعَتَيْنِ فِي حَقِّ مِسْطَحٍ ثُمَّ إِنَّهُ آذَى أَبَا بَكْرٍ بِهَذَا النوع مِنَ الْإِيذَاءِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْإِيذَاءِ، فَانْظُرْ أَيْنَ مَبْلَغُ ذَلِكَ الضَّرَرِ فِي قَلْبِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُ بِأَنْ لَا يَقْطَعَ عَنْهُ بِرَّهُ وَأَنْ يَرْجِعَ مَعَهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِحْسَانِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْمُجَاهَدَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَصْعَبُ مِنْ مُقَاتَلَةِ الْكُفَّارِ لِأَنَّ هَذَا مُجَاهَدَةٌ مَعَ النَّفْسِ وَذَلِكَ مُجَاهَدَةٌ مَعَ الْكَافِرِ وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ أَشَقُّ، وَلِهَذَا
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»
وَثَامِنُهَا: أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ بِذَلِكَ لَقَّبَهُ بِأُولِي الْفَضْلِ وَأُولِي السَّعَةِ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ أَنْتَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تُقَابِلَ إِسَاءَتَهُ بِشَيْءٍ وَأَنْتَ أَوْسَعُ قَلْبًا مِنْ أَنْ تُقِيمَ لِلدُّنْيَا وَزْنًا، فَلَا يَلِيقُ بِفَضْلِكَ وَسَعَةِ قَلْبِكَ أَنْ تَقْطَعَ بِرَّكَ عَنْهُ بِسَبَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنَ الْإِسَاءَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى نِهَايَةِ الْفَضْلِ وَالْعُلُوِّ فِي الدِّينِ وَتَاسِعُهَا: أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ يُفِيدَانِ الْعُمُومَ فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْفَضْلِ وَالسَّعَةِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْفَضْلِ وَكُلَّ السَّعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ هُوَ الْعَالَمُ يَعْنِي قَدْ بَلَغَ فِي الْفَضْلِ

صفحة رقم 350

إِلَى أَنْ صَارَ كَأَنَّهُ كُلُّ الْعَالَمِ وَمَا عداه كالعدم، وهذا وأيضا مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ وَعَاشِرُهَا: قَوْلُهُ: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا وَفِيهِ وُجُوهٌ: مِنْهَا: أَنَّ الْعَفْوَ قَرِينَةُ التَّقْوَى وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَقْوَى فِي الْعَفْوِ كَانَ أَقْوَى فِي التَّقْوَى، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الْحُجُرَاتِ: ١٣] وَمِنْهَا: أَنَّ الْعَفْوَ وَالتَّقْوَى مُتَلَازِمَانِ فَلِهَذَا السَّبَبِ اجْتَمَعَا فِيهِ، أَمَّا التَّقْوَى فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [اللَّيْلِ: ١٧] وَأَمَّا الْعَفْوُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا وحادي عاشرها: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [الْمَائِدَةِ: ١٣] وَقَالَ فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا فَمِنْ هَذَا الوجه يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ حَتَّى فِي الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَثَانِيَ عَشَرَهَا: قَوْلُهُ: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَهُ بِكِنَايَةِ الْجَمْعِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَّقَ غُفْرَانَهُ لَهُ عَلَى إِقْدَامِهِ عَلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ فَلَمَّا حَصَلَ الشَّرْطُ مِنْهُ وَجَبَ تَرْتِيبُ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ بِصِيغَةِ الْمُسْتَقْبَلِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ فِي مُسْتَقْبَلِ عُمُرِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَكَانَ مِنْ هَذَا الوجه ثَانِيَ اثْنَيْنِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الْفَتْحِ: ٢] وَدَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَإِنَّ إِمَامَتَهُ لَوْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ لَمَا كَانَ مَغْفُورًا لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَدَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَبَرِ بِشَارَةِ الْعَشَرَةِ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ وَثَالِثَ عَشَرَهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا قَالَ: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا، وَالْغَفُورُ مُبَالَغَةٌ فِي الْغُفْرَانِ، فَعَظَّمَ أَبَا بَكْرٍ حَيْثُ خَاطَبَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ الدل عَلَى التَّعْظِيمِ، وَعَظَّمَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ حَيْثُ وَصَفَهُ بِمُبَالَغَةِ الْغُفْرَانِ، وَالْعَظِيمُ إِذَا عَظَّمَ نَفْسَهُ ثُمَّ عَظَّمَ مُخَاطِبَهُ فَالْعَظَمَةُ الصَّادِرَةُ مِنْهُ لِأَجْلِهِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ فِي غَايَةِ التَّعْظِيمِ، وَلِهَذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا قَالَ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الْكَوْثَرِ: ١] وَجَبَ أَنْ تَكُونَ/ الْعَطِيَّةُ عَظِيمَةً، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ثَانِيَ اثْنَيْنِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَنْقَبَةِ أَيْضًا وَرَابِعَ عَشَرَهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لما وصفه بأنه أولوا الْفَضْلِ وَالسَّعَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَدْحِ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ كَانَ خَالِيًا عَنِ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ الْمَمْدُوحَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا لَكَانَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خالِداً فِيها [النِّسَاءِ: ١٤] وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ خَالِيًا عَنِ الْمَعَاصِي فَقَوْلُهُ: يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ غُفْرَانَ مَعْصِيَةٍ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ الَّتِي لَا تَكُونُ لَا يُمْكِنُ غُفْرَانُهَا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ واللَّه أَعْلَمُ: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ لِأَجْلِ تَعْظِيمِكُمْ هَؤُلَاءِ الْقَذَفَةَ الْعُصَاةَ، فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْآيَةِ إِلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنْ قَبِلْتَ هَؤُلَاءِ الْعُصَاةَ فَأَنَا أَيْضًا أَقْبَلُهُمْ وَإِنْ رَدَدْتَهُمْ، فَأَنَا أَيْضًا أَرُدُّهُمْ فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْطَاهُ مَرْتَبَةَ الشَّفَاعَةِ فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا مَا حَضَرَنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ واللَّه أَعْلَمُ فَإِنْ قِيلَ:
هَذِهِ الْآيَةُ تَقْدَحُ فِي فَضِيلَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ هَذَا الْحَلِفِ فَدَلَّ عَلَى صُدُورِ الْمَعْصِيَةِ مِنْهُ قُلْنَا الْجَوَابُ: عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّهْيَ لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ، قَالَ اللَّه تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [الْأَحْزَابِ: ٤٨] وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَطَاعَهُمْ بَلْ دَلَّتِ الْأَخْبَارُ الظَّاهِرَةُ عَلَى صُدُورِ هَذَا الْحَلِفِ مِنْهُ، وَلَكِنْ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا تَكُونُ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى قَوْلِكُمْ وَثَانِيهَا: هَبْ أَنَّهُ صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ الْحَلِفُ، فَلِمَ قُلْتُمْ إِنَّهُ كَانَ مَعْصِيَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنَ التَّفَضُّلِ قَدْ يَحْسُنُ خُصُوصًا فِيمَنْ يُسِيءُ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ أَوْ فِي حَقِّ مَنْ يَتَّخِذُهُ ذَرِيعَةً إِلَى الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ لَا يُقَالُ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً لَمَا جَازَ أَنْ يَنْهَى اللَّه عَنْهُ بقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا النَّهْيُ لَيْسَ نَهْيَ زَجْرٍ وَتَحْرِيمٍ بَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ تَرْكِ

صفحة رقم 351

الْأَوْلَى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ اللَّائِقُ بِفَضْلِكَ وَسَعَةِ هِمَّتِكَ أَنْ لَا تَقْطَعَ هَذَا فَكَانَ هَذَا إِرْشَادًا إِلَى الْأَوْلَى لَا مَنْعًا عَنِ الْمُحَرَّمِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِسْطَحٌ لِأَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا لِأَبِي بَكْرٍ وَكَانَ مِنَ الْمَسَاكِينِ وَكَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الذَّنْبِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَذَفَ كَمَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيٍّ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَدَّهُ وَأَنَّهُ تَابَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا كَانَ تَارِكًا لِلنُّكْرِ وَمِظْهِرًا لِلرِّضَا، وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَهُوَ ذَنْبٌ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى بُطْلَانِ الْمُحَابَطَةِ وَقَالُوا إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّه بَعْدَ أَنْ أَتَى بِالْقَذْفِ، وَهَذِهِ صِفَةُ مَدْحٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ كَوْنِهِ مُهَاجِرًا لَمْ يُحْبَطْ بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْقَذْفِ.
المسألة الْخَامِسَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مِسْطَحًا كَانَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ وَثَبَتَ بِالرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ
أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «لَعَلَّ اللَّه نَظَرَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»
فَكَيْفَ/ صَدَرَتِ الْكَبِيرَةُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ بَدْرِيًّا؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ مِنَ الْمَعَاصِي فَيَأْمُرُ بِهَا أَوْ يُقِيمُهَا لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ التَّكْلِيفَ كَانَ بَاقِيًا عَلَيْهِمْ لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ لَاقْتَضَى زَوَالَ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا جَازَ أَنْ يُحَدَّ مِسْطَحٌ عَلَى مَا فَعَلَ وَيُلْعَنُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَقَدْ علم توبتهم وإنابتهم قال افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ مِنَ النَّوَافِلِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَأَعْطَيْتُكُمُ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةَ فِي الْجَنَّةِ الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يُوَافُونَ بِالطَّاعَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ لِعِلْمِي بِأَنَّكُمْ تَمُوتُونَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ فَذَكَرَ حَالَهُمْ فِي الْوَقْتِ وَأَرَادَ الْعَاقِبَةَ.
المسألة السَّادِسَةُ: الْعَفْوُ وَالصَّفْحُ عَنِ الْمُسِيءِ حَسَنٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَرُبَّمَا وَجَبَ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ لَكَفَى، أَلَا ترى إل قوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النُّورِ: ٢٢] فَعَلَّقَ الْغُفْرَانَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرًا لِمُتَنَصِّلٍ كَاذِبًا كَانَ أَوْ صَادِقًا فَلَا يَرِدُ عَلَى حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَفْضَلُ أَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ الْعَفْوُ»
وَعَنْهُ أَيْضًا: «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّه أَجْرٌ فَلْيَقُمْ فَلَا يَقُومُ إِلَّا أَهْلُ الْعَفْوِ، ثُمَّ تَلَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه»
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيْضًا: «لَا يَكُونُ الْعَبْدُ ذَا فَضْلٍ حَتَّى يَصِلَ مَنْ قَطَعَهُ وَيَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَيُعْطِيَ مَنْ حَرَمَهُ».
المسألة السَّابِعَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ الْخَيْرِ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ إِذَا جُعِلَتْ دَاعِيَةً لِلْخَيْرِ لَا صَارِفَةً عَنْهُ.
المسألة الثَّامِنَةُ: مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا منها أنا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ثُمَّ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ يَأْتِي بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَذَلِكَ كَفَّارَتُهُ وَاحْتَجَّ ذَلِكَ الْقَائِلُ بِالْآيَةِ وَالْخَبَرِ، أَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ بِالْحِنْثِ وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةً، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَا
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَذَلِكَ كَفَّارَتُهُ»
وَأَمَّا دَلِيلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ فَأُمُورٌ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [الْمَائِدَةِ: ٨٩] فَكَفَّارَتُهُ وَقَوْلُهُ:

صفحة رقم 352

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية