قوله تعالى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
فيه أربع مسائل :
المسألة الرابعة والتسعون : في حكم ستر العورة.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن ستر العورة عن عين الناظر فرض.
قال ابن حزم : وستر العورة فرض عن عين الناظر، وفي الصلاة جملة، كان هنالك أحد أو لم يكن.
قال الله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن
فمن أبدى فرجه لغير من أبيح له فقد عصى الله تعالى. وقال تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد (١) فاتفق على أنه ستر العورة(٢) اه
المسألة الخامسة والتسعون : في ما يجب على المرأة ستره في الصلاة، وعن الناظر.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أنه يجب على المرأة أن تستر جميع جسمها في الصلاة وعن الناظر إلا الوجه والكفين ؛ بحجة أن المرأة عورة ما عدا وجهها وكفيها فقط.
قال ابن حزم : والعورة المفترض سترها على الناظر، وفي الصلاة من المرأة جميع جسمها، حاشا الوجه والكفين فقط.
الله تعالى يقول : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن إلى قوله : ولا يضرين بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن (٣)
فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب، وهذا نص على ستر العورة، والعنق، والصدر.
وفيه نص على إباحة كشف الوجه، لا يمكن غير ذلك أصلا.
وقوله تعالى : ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى، ولا يحل إبداؤه.
وحدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا عمرو الناقد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت :( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى : العواتق، والحيض، وذوات الخدور، قالت : قلت : يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب، قال : " لتلبسها أختها من جلبابها " (٤)
وهذا أمر بلبسهن الجلابيب للصلاة، والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما عطى جميع الجسم، لا بعضه، فصحح ما قلناه نصا.
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد، ثنا إبراهيم بن أحمد، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا مسدد، ثنا يحيى – هو ابن سعد القطان – عن سفيان – هو الثوري، أخبرني عبد الرحمن بن عانس، قال : سمعت ابن عباس يذكر ( أنه شهد العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه السلام خطب بعد أن صلى، ثم أتى النساء ومعه بلال، فوعظهن، وذكرهن، وأمرهن أن يتصدقن، فرأيتهن يهوين بأيدهن يقذفنه في ثوب بلال )(٥)
فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أيديهن، فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا عورة، وما عداهما ففرض عليها ستره.
حدثنا عبد الله بن ربيع، ثنا محمد بن معاوية، ثنا أحمد بن شعيب، ثنا سليمان بن سيف، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، أن سليمان بن يسار أخبره أن ابن عباس أخبره ( أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، والفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وذكرا لحديث وفيه :( فأخذ الفضل يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يحول وجه الفضل من الشق الآخر )(٦)
فلو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها عليه السلام على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء، فصح كل ما قلناه يقينا، والحمد لله كثيرا اه(٧)
المسألة السادسة والتسعون : في ما يباح لذي المحرم رؤيته من ذات محرمه.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أنه يجوز لذي المحرم أن يرى من ذات محرمه جميع جسمها إلا الدبر والفرج.
قال ابن حزم : وجائز لذي المحرم أن يرى جميع جسم حريمته، كالأم والجدة والبنت وابنة البنت والخالة والعمة وبنت الأخ وبنت الأخت وامرأة الأب وامرأة الابن، حاش الدبر والفرج فقط.
برهان ذلك قول الله تعالى : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ الآية(٨).
فذكر الله عز وجل في هذه الآية : أن زينتهن زينة ظاهرة تبدى لكل أحد، وهي الوجه والكفان، على ما بينا فقط. وزينة باطنة حرم عز وجل إبداءها إلا لمن ذكر في الآية وقد أوضحنا في كتاب الصلاة أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين، فحكم العورة سواء فيما ذكرنا، إلا ما لا خلاف فيه من أنه لا يحل لغير الزوج النظر إليه : الفرج والدبر.
ولم نجد لا في قرآن ولا سنة ولا معقول فرقا بين الشعر والعنق والذراع والساق والصدر، وبين البطن والظهر والفخذ، إلا أنه لا يحل لأحد أن يتعمد النظر إلى شيء من امرأة لا يحل له، لا الوجه ولا غيره إلا لقصة تدعو إلى ذلك لا يقصد منها منكر بقلب أو بعين. (٩) اه
المسألة السابعة والتسعون : في عورة الأمة.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن عورة الأمة وعورة الحرة سواء، لأن الطبيعة واحدة، والدين واحد، ولا معنى للتفريق إلا بالنص.
قال ابن حزم : وأما الفرق بن الحرة والأمة فدين الله تعالى واحد، والخلقة والطبيعة واحدة، كل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما في شيء فيوقف عنده. ؟
فإن قيل : إن قول الله تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن الآية(١٠). يدل على أنه تعالى أراد الحرائر.
فقلنا : هذا هو الكذب بلا شك ؛ لأن البعل في لغة العرب : السيد، والزوج.
وأيضا فالأمة قد تتزوج، وما علمنا قط أن الإماء لا يكون لهن أبناء، وآباء، وأخوال، وأعمام، كما للحرائر.
وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى : يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين (١١) إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق، فأمر الحرائر بأن يلبس الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يعترضوهن.
ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذي هو إما زلة عالم ووهلة فاضل عاقل، أو افتراء كاذب فاسق ؛ لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين، وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة، وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق.
ولهذا وشبهه وجب أن لا يقبل قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأن يسنده إليه عليه السلام.
لم يخف علينا ما روي عن عمر رضي الله عنه في خلاف هذا وعن غيره، ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا تنازع السلف رضي الله عنهم وجب الرد إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه من القرآن والسنة، وليس في القرآن ولا في السنة فرق في الصلاة بين حرة ولا أمة.
فإن قالوا : قد جاء الفرق في الحدود بين الحرة والأمة.
قلنا : نعم، وبين الحر والعبد، فلم ساويتم بين الحر والعبد فيما هو منهما عورة في الصلاة، وفرقتم بين الحرة والأمة فيما هو منهما عورة في الصلاة ؟ !
وقد صح الإجماع والنص على وجوب الصلاة على الأمة كوجوبها على الحرة في جميع أحكامها، من الطهارة، والقبلة، وعدد الركوع، وغير ذلك، فمن أين وقع لكم الفرق بينهما في العورة ؟ ! (١٢) اه
٢ المحلى (٣/١٢٥)..
٣ النور (٣١)..
٤ رجال الإسناد:
عبد الله بن يوسف سبقت ترجمته
أحمد بن فتح سبقت ترجمته.
عبد الوهاب بن عيسى سبقت ترجمته.
أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر سبقت ترجمته.
أحمد بن علي بن الحسن القلانسي سبقت ترجمته ص ٧١.
مسلم بن الحجاج سبقت ترجمته ص ٧١
عمرو الناقد سبقت ترجمته ص ٤١٣.
عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، بفتح المهملة، وكسر الموحدة، أخو إسرائيل، كوفي، نزل الشام مرابطا، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة (١٨٧ هـ وقيل: سنة (١٩١ هـ/ع) انظر: تقريب التهذيب، ترجمة (٥٣٧٦).
هشام هو ابن حسان سبقت ترجمته ص ٤٢٧.
حفصة بنت سيرين، أم الهذيل الأنصارية، البصرية، ثقة، من الثالثة، ماتت بعد (١٠٠ هـ/ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٨٦٥٩).
نسيبة، بالتصغير، ويقال: بفتح أولها، بنت كعب، ويقال: بنت الحارث، أم عطية الأنصارية، صحابية مشهورة، مدنية، ثم سكنت البصرة /ع) انظر: الاستيعاب ٤/١٩١٩، والإصابة ٤/٤٧٦، وتقريب التهذيب، ترجمة (٨٧٩١).
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في: الصلاة، باب: وجوب الصلاة في الثياب (٣٥١)، ومسلم في: صلاة العيدين، باب: إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى (٢٠٥٣) واللفظ له..
٥ رجال الإسناد:
عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد سبقت ترجمته ص (٧٢).
إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم البلخي سبقت ترجمته ص ٧٢.
الفربري (محمد بن يوسف) سبقت ترجمته ص ٧٢.
البخاري (محمد بن إسماعيل) سبقت ترجمته ص ٧٢.
مسدد سبقت ترجمته ص ٤٦٢.
يحيى بن سعيد القطان سبقت ترجمته ص ٣٠٦.
سفيان الثوري سبقت ترجمته ص ٤٨.
عبد الرحمن بن عابس، بموحدة ومهملة، ابن ربيعة النخعي، الكوفي، ثقة، من الرابعة، مات سنة (١١٩ هـ/خ م د س ق) انظر: تقريب التهذيب، ترجمة (٣٩٣٢).
ابن عباس (عبد الله بن عباس الصحابي) سبقت ترجمته ص (٣٠٦).
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في: العيدين، باب: موعظة الإمام النساء يوم العيد (٩٧٩، وفي الأذان، باب وضوء الصبيان (٨٦٣)، ومسلم في: صلاة العيدين، باب: كتاب صلاة العيدين (٢٠٤١) – (٢٠٤٣).
٦ رجال الإسناد:
عبد الله بن ربيع سبقت ترجمته ص (٢٥٨).
محمد بن معاوية سبقت ترجمته ص (٢٥٩).
أحمد بن شيعب سبقت ترجمته ص ٢٥٩.
سليمان بن سيف بن يحيى بن درهم الطائي مولاهم، أبو داود الحراني، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة (٢٧٢ هـ/ س) انظر: تقريب التهذيب، ترجمة (٢٥٨٦).
يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف، الزهري، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار التاسعة، مات سنة (٢٠٨ هـ/ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٧٨٦٥).
إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، من الثامنة، مات سنة (١٨٥ هـ/ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (١٧٩).
صالح بن كيسان المدني، أبو محمد أو أبو الحارث، ثقة ثبت فقيه، من الرابعة، مات سنة (١٣٠ هـ أو بعد الأربعين /ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٢٩٠٠).
ابن شهاب (هو الزهري) سبقت ترجمته ص ٣٠٧.
سليمان بن يسار الهلالي، المدني، مولى ميمونة، وقيل: أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثالثة، مات بعد (١٠٠ هـ، وقيل: قبلها /ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٢٦٣٤).
ابن عباس سبقت ترجمته ص ٣٠٦
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في: الاستئذان، باب: قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم(٦٢٢٨)، ومسلم في: الحج، باب: الحج عن العاجز (٣٢٣٨)..
٧ المحلى (٣/١٢٦-١٣٠)..
٨ النور (٣١).
٩ المحلى (١١/١٠٦-١٠٧) باختصار..
١٠ النور (٣١)..
١١ الأحزاب (٥٩)..
١٢ المحلى (٣/١٣٠-١٣٢) بتصرف..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري