الحجاب
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ٣١ ) .
تمهيد :
يخاطب القرآن الرجال في كثير من آياته باعتبارهم الجنس الغالب الذي يتأتى منه الخطاب غالبا، وهناك قواعد عامة وضعها القرآن، وهي اشتراك النساء مع الرجال في أمور الشريعة، إلا ما نص عليه الخطاب بخصوصية أي منهما. قال تعالى : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. ( البقرة : ٢٢٨ ).
وقد أمر القرآن الرجال بغض البصر وحفظ الفرج، ثم تكرر الخطاب للنساء للتأكيد عليه، ولأنهن زدن على الرجال أحكاما تخصهن، وهي : النهي عن إبداء زينتهن إلا ما استثنى الله تعالى، والأمر بإرخاء خمرهن على جيوبهن، والنهي عن كل فعل يلفت النظر إلى زينتهن، وينبه الناس إليها.
وتتعلق بهذه الآية الأحكام الآتية :
١ – وردت روايات مختلفة بشأن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي، ويمكن أن نستعرض هذه الروايات على النحو الآتي :
( أ ) ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد يوم العيد، وعائشة تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم، حتى ملت ورجعت، وذلك سنة سبع من الهجرة١٤١.
وصح أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مضى إلى النساء في المسجد يوم عيد، فذكرهن ومعه بلال، وأمرهن بالصدقة، وبعيد ألا ينظرن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى بلال حين يسمعن الموعظة، ويتصدقن١٤٢، فدل مجموع ذلك على أنه أباح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي، إلى ما عدا ما بين سرته وركبته، وبهذا قال جمع من فقهاء الأمصار، وهو أحد قولي الشافعي.
( ب ) نصوص السنة واضحة في تحريم نظر المرأة – من غير زوجها – إلى ما بين السرة والركبة، سواء أكان ذلك بشهوة أم بغير شهوة، كما حظرت عليها أيضا أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل بشهوة، كل هذا محل اتفاق بين الفقهاء جميعا، أما نظرها ما فوق السرة وتحت الركبة فقد اختلفت الروايات فيه. فمنها ما يحظر على المرأة أن تنظر إلى شيء من بدن الرجل الأجنبي، وهو قول أحمد، وأحد قولي الشافعي، وصححه النووي، وهو أيضا ظاهر قوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ.
وقد استشهد أصحاب هذا الرأي بأحاديث متعددة منها : ما أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه، عن أم سلمة قالت : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( احتجبا منه ). فقلنا : يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال :( أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه ) ؟.
وفي الموطأ، عن عائشة أنها احتجبت عن أعمى، فقيل لها : إنه لا ينظر إليك، قالت : لكنني أنظر إليه.
وهناك نصوص اعتمد عليها من أباح نظر المرأة للرجل الأجنبي تقدم ذكرها، في الفقرة ( أ )، وقد حاول أصحاب كل رأي الدفاع عن رأيهم، وتوهين حجة الفريق الآخر.
ولعل أولى ما يجمع به بين هذه الأحاديث المتعارضة، أن يحمل الأمر بالاحتجاب من ابن أم مكتوم على الندب، وكذلك احتجاب عائشة – رضي الله عنها – عن الأعمى كان ورعا منها، وعملا بما هو أجمل وأولى بالنساء، وحينئذ لا يكون حراما على المرأة أن تنظر من الأجنبي إلى غير ما بين السرة والركبة١٤٣.
ويقول أبو الأعلى المودودي :
والذي يستفاد من الجمع بين هذه الروايات المختلفة : أن ليست الشدة في نظر النساء إلى الرجال الأجانب، مثل الشدة في نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات، لا يحل لهن أن يقصدن النظر إليهم وجها لوجه في المجالس، ولكن يحل لهن أن ينظرن إليهم وهم يمشون في الطريق، أو يلعبون ألعابا غير محرمة من البعيد، بل لا حرج أن ينظرن إليهم في البيوت عند الحاجات الحقيقية، وبه تقريبا جمع بين هذه الروايات الإمام الغزالي، والحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمهما الله – وقد نقل الشوكاني في ( نيل الأوطار ) قول الحافظ : ويؤيد الجواز استمرار العمل على خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار، منتقبات لئلا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فدل ذلك على مغايرة الحكم بين الطائفتين١٤٤.
على أنه لا يصح أن تكرر النساء النظر إلى الرجال، ويمتعن أنفسهن بحسنهم١٤٥.
٢ – ذكر القرطبي في تفسيره لقوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ... أن في هذه الآية ٢٣ مسألة، وفي المسألة الثانية حاول التوفيق بين الأحاديث المتعارضة ؛ فذكر حديث الترمذي، عن نبهان مولى أم سلمة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها ولميمونة، وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم :( احتجبا ). فقالتا : إنه أعمى. قال :( أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه )١٤٦ ؟
ثم قال القرطبي : فإن قيل : هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل ؛ لأن روايه عن أم سلمة نبهان مولاها، وهو ممن لا يحتج بحديثه، وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه – عليه الصلاة والسلام – تغليظ على أزواجه لحرمتهن، كما غلظ عليهن أمر الحجاب، كما أشار إليه أبو داود وغيره، ويبقى معنى الحديث الصحيح الثابت وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال :( تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدى عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك ولا يراك )١٤٧. قلنا : قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث، على أن المرأة يجوز لها أن تطلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع من المرأة، كالرأس، ومعلق القرط، وأما العورة فلا. فعلى هذا يكون مخصصا لعموم قوله تعالى : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ... وتكون من. للتبعيض كما هي في الآية قبلها.
قال ابن العربي : وإنما أمرها بالانتقال من بيت أم شريك، إلى بيت ابن أم مكتوم، لأن ذلك أولى من بقائها في بيت أم شريك مؤثرة بكثرة الداخل إليها، فيكثر الرائي لها، وفي بيت ابن أم مكتوم لا يراها أحد، فكان إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك و أولى، فرخص لها في ذلك، والله أعلم.
التفسير :
٣١ - وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...
الخمر : واحدها خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، أي : الطرحة.
جيوبهن : الجيوب : واحدها جيب، وهو فتحة في أعلى القميص يبدو منها بعض الجسد.
بعولتهن : البعولة الأزواج، واحدهم بعل.
الإربة : الحاجة إلى النساء.
الطفل : يطلق على الواحد والجمع.
لم يظهروا : لم يعلموا عورات النساء لصغرهم.
توسعت كتب التفسير في عرض ما يتصل بأحكام الآية، ومن الخير أن نتعرض لتفسير كل جزء منها على حدة، والله ولي التوفيق.
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ...
أي : فلا يرسلن بنظراتهن الجائعة المتلصصة، أو الهاتفة المثيرة، ما يستثير كوامن الفتنة في صدور الرجال.
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...
عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق، ويسترنها حتى لا يراها أحد.
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا...
أي : ولا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه مما جرت العادة بظهوره كالخاتم والكحل والخضابة، فلا يؤاخذن إلا في إبداء ما خفى منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط، لأن هذه الزينة واقعة في مواضع من الجسد – وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن – لا يحل النظر إليها.
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ...
الخمر جمع خمار، وهو ما يخمر به – أي : يغطى به – الرأس. والجيوب جمع جيب، وهو الصدر، فالمراد بضرب النساء بخمرهن على جيوبهن، أي يغطين رءوسهن وأعناقهن ونحورهن وصدورهن بكل ما فيها من زينة وحلي، على خلاف ما كانت عليه حال النساء في الجاهلية.
قال ابن كثير :
لقد كانت المرأة في الجاهلية تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها ؛ فأمر الله المؤمنات أن يستترون في هيئاتهن وأحوالهن.
ويقول الزمخشري في تفسيره عن نساء الجاهلية : كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة ؛ فأمرن بأن يسدلنهامن قدامهن حتى يغطينها.
كانت نساء الجاهلية قريبات الشبه بحال المرأة في الجاهلية الحديثة في عصرنا، فلما نزل القرآن بهذه الآيات تهذب الذوق الإسلامي، سارعت النساء إلى امتثال أمر الله، فحجبن مفاتن أجسامهن طائعات، وهذا التحشم وسيلة من الوسائل الوقائية للفرد والجماعة.
روى البخاري، عن عائشة أنها قالت : رحم الله نساء المهاجرات١٤٨ الأول لما نزل : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ... شققن أزرهن فاختمرن بها١٤٩.
وأخرج أبو داود، عن صفية بنت شيبة قالت : بينما نحن عند عائشة، قالت : فذكرن نساء قريش وفضلهن ؛ فقالت عائشة – رضي الله عنها - :
إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لما نزلت سورة النور : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ... انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته ؛ فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل١٥٠، فاعتجرت١٥١ به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معتجرات كأن على رءوسهن الغربان١٥٢. وفي مسند أبي داود ما يفيد أن الخمار ينبغي أن يكون من الثوب الغليظ، ولا يكفي أن يكون ثوبا شفافا يصف ما تحته١٥٣.
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ...
من هنا يشرع الله – سبحانه و تعالى – في ذكر من يحوز للمرأة المسلمة أن تبدى لهم زينتها، أما الذين ليسوا في دائرة هؤلاء سواء أكانوا من الأق
تفسير القرآن الكريم
شحاته