الْأَسْوَاقُ وَرَابِعُهَا: أَنَّهَا الْحَمَّامَاتُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الْجَمِيعِ تَحْتَ الْآيَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْكُلِّ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَهِيَ مَأْذُونٌ بِدُخُولِهَا مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَسْكُونَةٍ وَلَكِنَّهَا كَانَتْ مَغْصُوبَةً، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلدَّاخِلِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْخَانَاتِ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِدُخُولِ الدَّاخِلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ فَهُوَ وَعِيدٌ لِلَّذِينِ يَدْخُلُونَ الْخَرِبَاتِ وَالدُّورَ الخالية من أهل الريبة.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٣٠ الى ٣١]
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)
الحكم السابع حكم النظر
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّ غَيْرَهُمْ لَا يَلْزَمُهُ غَضُّ الْبَصَرِ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ وَيَحْفَظُ الْفَرْجَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ كَالْفُرُوعِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُؤْمِنُونَ مَأْمُورُونَ بِهَا ابْتِدَاءً، وَالْكُفَّارُ مَأْمُورُونَ قَبْلَهَا بِمَا تَصِيرُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ تَابِعَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ حَالُهُمْ كَحَالِ الْمُؤْمِنِينَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهَا، لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يَتَمَكَّنُ مِنْ هَذِهِ الطَّاعَةِ مَنْ دُونِ مُقَدِّمَةٍ، وَالْكَافِرَ لَا يَتَمَكَّنُ إِلَّا بِتَقْدِيمِ مُقَدِّمَةِ مَنْ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ لُزُومِ التَّكَالِيفِ لَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ الرِّجَالَ بِغَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ الْفَرْجِ، وَأَمَرَ النِّسَاءَ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ الرِّجَالَ وَزَادَ فِيهِنَّ أَنْ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِأَقْوَامٍ مَخْصُوصِينَ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: قَالَ الْأَكْثَرُونَ (مِنْ) هَاهُنَا لِلتَّبْعِيضِ وَالْمُرَادُ غَضُّ الْبَصَرِ عَمَّا يَحْرُمُ وَالِاقْتِصَارُ بِهِ عَلَى مَا يَحِلُّ، وَجَوَّزَ الْأَخْفَشُ أَنْ تَكُونَ مَزِيدَةً، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ: مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الْأَعْرَافِ: ٨٥] فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الْحَاقَّةِ: ٤٧] وَأَبَاهُ سِيبَوَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ دَخَلَتْ فِي غَضِّ الْبَصَرِ دُونَ حِفْظِ الْفَرْجِ؟ قُلْنَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّ أَمْرَ النَّظَرِ أَوْسَعُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَحَارِمَ لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إِلَى شُعُورِهِنَّ وَصُدُورِهِنَّ وَكَذَا الْجَوَارِي الْمُسْتَعْرِضَاتُ، وَأَمَّا أَمْرُ الْفَرْجِ فَمُضَيَّقٌ، وَكَفَاكَ فَرْقًا أَنْ أُبِيحَ النَّظَرُ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ وَحُظِرَ الْجِمَاعُ إِلَّا مَا استثنى
مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أَيْ يُنْقِصُوا مِنْ نَظَرِهِمْ فَالْبَصَرُ إِذَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ عَمَلِهِ فَهُوَ مَغْضُوضٌ مَمْنُوعٌ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا مِنْ لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ وَلَا هِيَ لِلتَّبْعِيضِ بَلْ هِيَ مِنْ صِلَةِ الْغَضِّ يُقَالُ غَضَضْتُ مِنْ فُلَانٍ إِذَا نَقَصْتُ مِنْ قَدْرِهِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَوْرَاتِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ وَعَوْرَةُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ وَعَوْرَةُ الْمَرْأَةِ مَعَ الرَّجُلِ وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ، فَأَمَّا الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ إِلَّا عَوْرَتَهُ وَعَوْرَتُهُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَالسُّرَّةُ وَالرُّكْبَةُ لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه الرُّكْبَةُ عَوْرَةُ، وَقَالَ مَالِكٌ الْفَخْذُ لَيْسَتْ بِعَوْرَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا عَوْرَةٌ مَا
رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ فَخْذِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَطِّ فَخْذَكَ فَإِنَّهَا مِنَ الْعَوْرَةِ»
وَقَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: «لَا تُبْرِزْ فَخْذَكَ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخْذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ»
فَإِنْ كَانَ فِي نَظَرِهِ إِلَى وَجْهِهِ أَوْ سَائِرِ بَدَنِهِ شَهْوَةٌ أَوْ خَوْفُ فِتْنَةٍ بِأَنْ كَانَ أَمْرَدَ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ مُضَاجَعَةُ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَانِبٍ مِنَ الْفِرَاشِ، لِمَا
رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «لَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ»
وَتُكْرَهُ الْمُعَانَقَةُ وَتَقْبِيلُ الوجه إِلَّا لِوَلَدِهِ شَفَقَةً، وَتُسْتَحَبُّ الْمُصَافَحَةُ لِمَا
رَوَى أَنَسٌ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّه الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ لَا، قَالَ أَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ لَا، قَالَ أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ نَعَمْ»
أَمَّا عَوْرَةُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ فَكَعَوْرَةِ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، فَلَهَا النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهَا إِلَّا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَعِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ الْمُضَاجَعَةُ. وَالْمَرْأَةُ الذِّمِّيَّةُ هَلْ يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ إِلَى بَدَنِ الْمُسْلِمَةِ، قِيلَ يَجُوزُ كَالْمُسْلِمَةِ مَعَ الْمُسْلِمَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، فِي الدِّينِ واللَّه تَعَالَى يَقُولُ:
أَوْ نِسائِهِنَّ وَلَيْسَتِ الذِّمِّيَّةُ مِنْ نِسَائِنَا، أَمَّا عَوْرَةُ الْمَرْأَةِ مَعَ الرَّجُلِ فَالْمَرْأَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً أَوْ ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، أَوْ مُسْتَمْتَعَةً، فَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَجَمِيعُ بَدَنِهَا عَوْرَةٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا الوجه وَالْكَفَّيْنِ، لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى إِبْرَازِ الوجه فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِلَى إِخْرَاجِ/ الْكَفِّ لِلْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ، وَنَعْنِي بِالْكَفِّ ظَهْرَهَا وَبَطْنَهَا إِلَى الْكُوعَيْنِ، وَقِيلَ ظَهْرُ الْكَفِّ عَوْرَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا، وَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفِّهَا، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ اسْتِثْنَاءٌ. أَمَّا قَوْلُهُ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفِّهَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ «١» لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ غَرَضٌ وَلَا فِيهِ فِتْنَةٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ فِتْنَةٌ وَلَا غَرَضَ فِيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ فِتْنَةٌ وَغَرَضٌ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إِلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ لِغَيْرِ غَرَضٍ وَإِنْ وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهَا بَغْتَةً يَغُضُّ بَصَرَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَقِيلَ يَجُوزُ مَرَّةً وَاحِدَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحَلَّ فِتْنَةٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَرِّرَ النَّظَرَ إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [الْإِسْرَاءِ:
٣٦]
وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ»
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ نَظَرِ الْفَجْأَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي»
وَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنِ الْأُولَى لَا يُمْكِنْ فَوَقَعَ عَفْوًا قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ غَرَضٌ وَلَا فتنة فيه فذاك أمور: أحدها: بأن
يُرِيدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ فَيَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا،
رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: «أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْظُرُ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا»
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِلْخِطْبَةِ»
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «خَطَبْتُ امْرَأَةً فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَظَرْتَ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ لَا، قَالَ فَانْظُرْ فَإِنَّهَا أَحْرَى أَنْ يَدُومَ بَيْنَكُمَا «١» »
فَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا لِلشَّهْوَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَدُلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [الْأَحْزَابِ: ٥٢] وَلَا يُعْجِبُهُ حُسْنُهُنَّ إِلَّا بَعْدَ رُؤْيَةِ وُجُوهِهِنَّ وَثَانِيهَا: إِذَا أَرَادَ شِرَاءَ جَارِيَةٍ فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ مِنْهَا وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ عِنْدَ الْمُبَايَعَةِ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهَا مُتَأَمِّلًا حَتَّى يَعْرِفَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَرَابِعُهَا: يَنْظُرُ إِلَيْهَا عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى غَيْرِ الوجه لأن المعرفة تحصل أَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا لِلشَّهْوَةِ فَذَاكَ مَحْظُورٌ،
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ «٢» »
وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي»
وَقِيلَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ النَّظْرَةُ تَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ، وَرُبَّ شَهْوَةٍ أَوْرَثَتْ حُزْنًا طَوِيلًا. أَمَّا الْكَلَامُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إِلَى بَدَنِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَقَدِ اسْتَثْنَوْا مِنْهُ صُوَرًا إِحْدَاهَا: يَجُوزُ لِلطَّبِيبِ الْأَمِينِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا لِلْمُعَالَجَةِ، كَمَا يَجُوزُ لِلْخَتَّانِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى فَرْجِ الْمَخْتُونِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ. وَثَانِيَتُهَا: يَجُوزُ أَنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إِلَى فَرْجِ الزَّانِيَيْنِ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا، وَكَذَلِكَ يَنْظُرُ إِلَى/ فَرْجِهَا لِتَحَمُّلِ شَهَادَةِ الْوِلَادَةِ، وَإِلَى ثَدْيِ الْمُرْضِعَةِ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ النَّظَرَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، لِأَنَّ الزِّنَا مَنْدُوبٌ إِلَى سَتْرِهِ، وَفِي الْوِلَادَةِ وَالرَّضَاعِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى نَظَرِ الرِّجَالِ لِلشَّهَادَةِ وَثَالِثَتُهَا: لَوْ وَقَعَتْ فِي غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى بَدَنِهَا لِيُخَلِّصَهَا، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْأَجْنَبِيَّةُ أَمَةً فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَوْرَتُهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ عَوْرَتُهَا مَا لَا يَبِينُ لِلْمِهْنَةِ فَخَرَجَ مِنْهُ أَنَّ رَأْسَهَا وَسَاعِدَيْهَا وَسَاقَيْهَا وَنَحْرَهَا وَصَدْرَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَفِي ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا وَمَا فَوْقَ سَاعِدَيْهَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَلَا يَجُوزُ لَمْسُهَا وَلَا لَهَا لَمْسُهُ بِحَالٍ لَا لِحِجَامَةٍ وَلَا اكْتِحَالٍ وَلَا غَيْرِهِ، لِأَنَّ اللَّمْسَ أَقْوَى مِنَ النَّظَرِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِنْزَالَ بِاللَّمْسِ يُفْطِرُ الصَّائِمَ وَبِالنَّظَرِ لَا يُفْطِرُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه يَجُوزُ أَنْ يَمَسَّ مِنَ الْأَمَةِ مَا يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ مَحْرَمٍ لَهُ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ فَعَوْرَتُهَا مَعَهُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ عَوْرَتُهَا مَا لَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه فَأَمَّا سَائِرُ التَّفَاصِيلِ فَسَتَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُسْتَمْتَعَةً كَالزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهَا حَتَّى إِلَى فَرْجِهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْفَرْجِ وَكَذَا إِلَى فَرْجِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ
يُرْوَى أَنَّهُ يُورِثُ الطَّمْسَ،
وَقِيلَ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى فَرْجِهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ قِنَّةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مَرْهُونَةً. فَإِنْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً أَوْ مُرْتَدَّةً أَوْ وَثَنِيَّةً أَوْ مُشْتَرِكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَوْ مُتَزَوِّجَةً أَوْ مُكَاتَبَةً فَهِيَ كَالْأَجْنَبِيَّةِ،
رَوَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ جَارِيَتَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ»
وَأَمَّا عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ [فَفِيهِ] نَظَرٌ إِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنْهَا فَعَوْرَتُهُ مَعَهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَقِيلَ جَمِيعُ بَدَنِهِ إِلَّا الوجه وَالْكَفَّيْنِ كَهِيَ مَعَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، لِأَنَّ بَدَنَ الْمَرْأَةِ فِي ذَاتِهِ عَوْرَةٌ بدليل أنه لا تصح
برواية أخرى بلفظ «فإنه أحرى أن يؤدم بينكما»
أي تكون بينكما معيشة.
(٢) احفظ لهذا الحديث تتمة وهي
«وزناهما النظر».
صَلَاتُهَا مَكْشُوفَةَ الْبَدَنِ وَبَدَنُ الرَّجُلِ بِخِلَافِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا قَصْدُ النَّظَرِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ وَلَا تَكْرِيرُ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ لِمَا
رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَيْمُونَةُ إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: احْتَجِبَا مِنْهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام أفعميا وإن أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ»
وَإِنْ كَانَ مَحْرَمًا لَهَا فَعَوْرَتُهُ مَعَهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَإِنْ كَانَ زَوْجَهَا أَوْ سَيِّدَهَا الَّذِي يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا فَلَهَا أَنْ تَنْظُرَ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إِلَى الْفَرْجِ كَهُوَ مَعَهَا، وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْلِسَ عَارِيًا فِي بَيْتٍ خَالٍ وَلَهُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، لِأَنَّهُ
رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: «اللَّه أَحَقُّ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْهُ».
وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ، وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ»
واللَّه أَعْلَمُ.
المسألة الثَّالِثَةُ: سُئِلَ الشِّبْلِيُّ عَنْ قوله: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ فقال أبصار الرؤوس عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَبْصَارُ الْقُلُوبِ عَمَّا سِوَى اللَّه تَعَالَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ فَالْمُرَادُ بِهِ عَمَّا لَا يَحِلُّ، وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قوله: يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ، مِنَ الزِّنَا إِلَّا الَّتِي في النور: يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَيْهَا أَحَدٌ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى حِفْظُهَا عَنْ سَائِرِ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ مِنَ الزِّنَا وَالْمَسِّ وَالنَّظَرِ، وَعَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ حَظْرَ النَّظَرِ فَالْمَسُّ وَالْوَطْءُ أَيْضًا مُرَادَانِ بِالْآيَةِ، إِذْ هُمَا أَغْلَظُ مِنَ النَّظَرِ، فَلَوْ نَصَّ اللَّه تَعَالَى عَلَى النَّظَرِ لَكَانَ فِي مَفْهُومِ الْخِطَابِ مَا يُوجِبُ حَظْرَ الْوَطْءِ وَالْمَسِّ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] اقْتَضَى حَظْرَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ السَّبِّ وَالضَّرْبِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ [النُّورِ: ٣٠] أَيْ تَمَسُّكُهُمْ بِذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ وَأَطْهَرُ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مَا يُزَكَّوْنَ بِهِ وَيَسْتَحِقُّونَ الثَّنَاءَ وَالْمَدْحَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى خَصَّ فِي الْخِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ لِمَا أَرَادَهُ مِنْ تَزْكِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالْكَافِرِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ فَالْقَوْلُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ قُدِّمَ غَضُّ الْأَبْصَارِ عَلَى حِفْظِ الْفُرُوجِ، قُلْنَا لِأَنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنَا وَرَائِدُ الْفُجُورِ وَالْبَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ وَأَكْثَرُ، وَلَا يَكَادُ يُقْدَرُ عَلَى الِاحْتِرَاسِ مِنْهُ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها فَمِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا النِّسَاءُ فِي الْأَغْلَبِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْأَغْلَبِ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُبْدِيَ زِينَتَهُ حُلِيًّا وَلِبَاسًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَهَاهُنَا مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِزِينَتِهِنَّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الزِّينَةَ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى مَحَاسِنِ الْخَلْقِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّه تَعَالَى وَعَلَى سَائِرِ مَا يَتَزَيَّنُ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ فَضْلِ لِبَاسٍ أَوْ حُلِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُقُوعَ اسْمِ الزينة عل الْخِلْقَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُقَالُ فِي الْخِلْقَةِ إِنَّهَا مِنْ زِينَتِهَا. وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِيمَا تَكْتَسِبُهُ مِنْ كُحْلٍ وَخِضَابٍ وَغَيْرِهِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْخِلْقَةَ دَاخِلَةٌ فِي الزِّينَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهَا وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْكَثِيرَ مِنَ النِّسَاءِ يَنْفَرِدْنَ بِخِلْقَتِهِنَّ عن سائر
مَا يُعَدُّ زِينَةً، فَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْخِلْقَةِ وَفَّيْنَا الْعُمُومَ حَقَّهُ، وَلَا يُمْنَعُ دُخُولُ مَا عَدَا الْخِلْقَةَ فِيهِ أَيْضًا الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّينَةِ مَا يَعُمُّ الْخِلْقَةَ وَغَيْرَهَا فَكَأَنَّهُ تَعَالَى مَنَعَهُنَّ مِنْ إِظْهَارِ مَحَاسِنِ خِلْقَتِهِنَّ بِأَنْ أَوْجَبَ سَتْرَهَا بِالْخِمَارِ، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا الزِّينَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا سِوَى الْخِلْقَةِ فَقَدْ حَصَرُوهُ فِي أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: الْأَصْبَاغُ كَالْكُحْلِ وَالْخِضَابِ بِالْوَسْمَةِ فِي حَاجِبَيْهَا وَالْغَمْرَةِ فِي خَدَّيْهَا وَالْحِنَّاءِ فِي كَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا وَثَانِيهَا: الْحُلِىُّ كَالْخَاتَمِ وَالسُّوَارِ وَالْخَلْخَالِ وَالدُّمْلُجِ وَالْقِلَادَةِ وَالْإِكْلِيلِ وَالْوِشَاحِ وَالْقُرْطِ.
وَثَالِثُهَا: الثِّيَابُ قَالَ اللَّه تَعَالَى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الْأَعْرَافِ: ٣١] وَأَرَادَ الثِّيَابَ.
المسألة الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ: إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها أَمَّا الَّذِينَ حَمَلُوا الزِّينَةَ عَلَى الْخِلْقَةِ، فَقَالَ الْقَفَّالُ مَعْنَى الْآيَةِ إِلَّا مَا يُظْهِرُهُ الْإِنْسَانُ فِي الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ، وَذَلِكَ فِي النِّسَاءِ الوجه وَالْكَفَّانِ، وَفِي الرَّجُلِ الْأَطْرَافُ مِنَ الوجه وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، فَأُمِرُوا بِسَتْرِ مَا لَا تُؤَدِّي/ الضَّرُورَةُ إِلَى كَشْفِهِ وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي كَشْفِ مَا اعْتِيدَ كَشْفُهُ وَأَدَّتِ الضَّرُورَةُ إِلَى إِظْهَارِهِ إِذْ كَانَتْ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ حَنِيفِيَّةً سَهْلَةً سَمْحَةً، وَلَمَّا كَانَ ظُهُورُ الوجه وَالْكَفَّيْنِ كَالضَّرُورِيِّ لَا جَرَمَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ، أَمَّا الْقَدَمُ فَلَيْسَ ظُهُورُهُ بِضَرُورِيٍّ فَلَا جَرَمَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ مِنَ الْعَوْرَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ عَوْرَةٌ كَظَهْرِ الْقَدَمِ، وَفِي صَوْتِهَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، لِأَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَرْوِينَ الْأَخْبَارَ لِلرِّجَالِ، وَأَمَّا الَّذِينَ حَمَلُوا الزِّينَةَ عَلَى مَا عَدَا الْخِلْقَةَ فَقَالُوا إِنَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا ذَكَرَ الزِّينَةَ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهَا حَالَمَا لَمْ تَكُنْ مُتَّصِلَةً بِأَعْضَاءِ الْمَرْأَةِ، فَلَمَّا حَرَّمَ اللَّه سُبْحَانَهُ النَّظَرَ إِلَيْهَا حَالَ اتِّصَالِهَا بِبَدَنِ الْمَرْأَةِ كَانَ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي حُرْمَةِ النَّظَرِ إِلَى أَعْضَاءِ الْمَرْأَةِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَى زِينَةِ وَجْهِهَا مِنَ الْوَشْمَةِ وَالْغَمْرَةِ وَزِينَةِ بَدَنِهَا مِنَ الْخِضَابِ وَالْخَوَاتِيمِ وَكَذَا الثِّيَابُ، وَالسَّبَبُ فِي تَجْوِيزِ النَّظَرِ إِلَيْهَا أَنَّ تَسَتُّرَهَا فِيهِ حَرَجٌ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُنَاوَلَةِ الْأَشْيَاءِ بِيَدَيْهَا وَالْحَاجَةِ إِلَى كَشْفِ وَجْهِهَا فِي الشَّهَادَةِ وَالْمُحَاكَمَةِ وَالنِّكَاحِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى تَخْصِيصِ قَوْلِهِ: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها بِالْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمَةَ مَالٌ فَلَا بُدَّ مِنَ الِاحْتِيَاطِ فِي بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ فَالْخُمُرُ وَاحِدُهَا خِمَارٌ، وَهِيَ الْمَقَانِعُ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِنَّ نِسَاءَ الْجَاهِلِيَّةِ كُنَّ يَشْدُدْنَ خُمُرَهُنَّ مِنْ خَلْفِهِنَّ، وَإِنَّ جُيُوبَهُنَّ كَانَتْ مِنْ قُدَّامُ فَكَانَ يَنْكَشِفُ نُحُورُهُنَّ وَقَلَائِدُهُنَّ، فَأُمِرْنَ أَنْ يَضْرِبْنَ مَقَانِعَهُنَّ عَلَى الْجُيُوبِ لِيَتَغَطَّى بِذَلِكَ أَعْنَاقُهُنَّ وَنُحُورُهُنَّ وَمَا يُحِيطُ بِهِ مِنْ شَعْرٍ وَزِينَةٍ مِنَ الْحُلِيِّ فِي الْأُذُنِ وَالنَّحْرِ وَمَوْضِعِ الْعُقْدَةِ مِنْهَا، وَفِي لَفْظِ الضَّرْبِ مُبَالَغَةٌ فِي الْإِلْقَاءِ، وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا «مَا رَأَيْتُ خَيْرًا مِنْ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ، لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَى مِرْطِهَا فَصَدَعَتْ مِنْهُ صَدْعَةً فَاخْتَمَرَتْ فَأَصْبَحْنَ على رؤوسهن الْغِرْبَانُ» وَقُرِئَ جُيُوبِهِنَّ بِكَسْرِ الْجِيمِ لِأَجْلِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ فَاعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا تَكَلَّمَ فِي مُطْلَقِ الزِّينَةِ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الزِّينَةِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي نَهَاهُنَّ عَنْ إِبْدَائِهَا لِلْأَجَانِبِ، وَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الزِّينَةَ الْخَفِيَّةَ يَجِبُ إِخْفَاؤُهَا عَنِ الْكُلِّ، ثُمَّ اسْتَثْنَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ صُورَةً أَحَدُهَا: أَزْوَاجُهُنَّ وَثَانِيهَا: آبَاؤُهُنَّ وَإِنْ عَلَوْنَ مِنْ جِهَةِ الذُّكْرَانِ وَالْإِنَاثِ كَآبَاءِ الْآبَاءِ وَآبَاءِ
الْأُمَّهَاتِ وَثَالِثُهَا: آبَاءُ أَزْوَاجِهِنَّ وَرَابِعُهَا وَخَامِسُهَا: أَبْنَاؤُهُنَّ وَأَبْنَاءُ بُعُولَتِهِنَّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلُوا مِنَ الذَّكَرَانِ وَالْإِنَاثِ كَبَنِي الْبَنِينَ وَبَنِي الْبَنَاتِ وَسَادِسُهَا: إِخْوَانُهُنَّ سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الْأَبِ أَوْ مِنَ الْأُمِّ أَوْ مِنْهُمَا وَسَابِعُهَا: بَنُو إِخْوَانِهِنَّ وَثَامِنُهَا: بَنُو أَخَوَاتِهِنَّ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَحَارِمُ، وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَفَيَحِلُّ لِذَوِي الْمَحْرَمِ فِي الْمَمْلُوكَةِ وَالْكَافِرَةِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فِي الْمُؤْمِنَةِ؟ الْجَوَابُ: إِذَا مَلَكَ الْمَرْأَةَ وَهِيَ مِنْ مَحَارِمِهِ فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى بَطْنِهَا وَظَهْرِهَا لَا عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، بَلْ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى مَزِيَّةِ الْمِلْكِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: كَيْفَ الْقَوْلُ فِي الْعَمِّ وَالْخَالِ؟ الْجَوَابُ: الْقَوْلُ الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا كَسَائِرِ الْمَحَارِمِ فِي جَوَازِ النَّظَرِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ لِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الرَّضَاعُ وَهُوَ كَالنَّسَبِ وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ لَا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ [الْأَحْزَابِ: ٥٥] الْآيَةَ. وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْبُعُولَةُ وَلَا أبناءهم وَقَدْ ذُكِرُوا هَاهُنَا، وَقَدْ يُذْكَرُ الْبَعْضُ لِيُنَبِّهُ عَلَى الْجُمْلَةِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا اللَّه لئلا يصفهما العم عند ابنه الخال كَذَلِكَ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ سَائِرَ الْقَرَابَاتِ تُشَارِكُ الْأَبَ وَالِابْنَ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ إِلَّا الْعَمَّ وَالْخَالَ وَأَبْنَاءَهُمَا، فَإِذَا رَآهَا الْأَبُ فَرُبَّمَا وَصَفَهَا لِابْنِهِ وَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ فَيَقْرُبُ تَصَوُّرُهُ لَهَا بِالْوَصْفِ مِنْ نَظَرِهِ إِلَيْهَا، وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الدَّلَالَاتِ الْبَلِيغَةِ عَلَى وجوب الاحتياط عليهن فِي التَّسَتُّرِ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا السَّبَبُ فِي إِبَاحَةِ نَظَرِ هَؤُلَاءِ إِلَى زِينَةِ الْمَرْأَةِ؟ الْجَوَابُ: لِأَنَّهُمْ مَخْصُوصُونَ بِالْحَاجَةِ إِلَى مُدَاخَلَتِهِنَّ وَمُخَالَطَتِهِنَّ وَلِقِلَّةِ تَوَقُّعِ الْفِتْنَةِ بِجِهَاتِهِنَّ، وَلِمَا فِي الطِّبَاعِ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مُجَالَسَةِ الْغَرَائِبِ، وَتَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ إِلَى صُحْبَتِهِمْ فِي الْأَسْفَارِ وَلِلنُّزُولِ وَالرُّكُوبِ وَتَاسِعُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ نِسائِهِنَّ وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا:
الْمُرَادُ وَالنِّسَاءُ اللَّاتِي هُنَّ عَلَى دِينِهِنَّ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا: لَيْسَ لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَتَجَرَّدَ بَيْنَ نِسَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا تُبْدِي لِلْكَافِرَةِ إِلَّا مَا تُبْدِي لِلْأَجَانِبِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ يَمْنَعَ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ مَعَ الْمُؤْمِنَاتِ وَثَانِيهِمَا:
الْمُرَادُ بِنِسَائِهِنَّ جَمِيعُ النِّسَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَقَوْلُ السَّلَفِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَوْلَى وَعَاشِرُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَظَاهِرُ الْكَلَامِ يَشْمَلُ الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ، وَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى الْآيَةَ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَيْهِنَّ فِي أَنْ يُظْهِرْنَ لِعَبِيدِهِنَّ مِنْ زِينَتِهِنَّ مَا يُظْهِرْنَ لِذَوِي مَحَارِمِهِنَّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا، وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَبِمَا
رَوَى أَنَسٌ: «أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا وَعَلَيْهَا ثَوْبٌ إِذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بِهَا، قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ»
وَعَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَحْتَجِبْنَ عَنْ مُكَاتَبِهِنَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: أَنَّهَا قَالَتْ لِذَكْوَانَ:
«إِنَّكَ إِذَا وَضَعْتَنِي فِي الْقَبْرِ وَخَرَجْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ. وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: كَانَتْ تَمْتَشِطُ وَالْعَبْدُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ: إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْظُرُ إِلَى شَعْرِ مَوْلَاتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا:
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»
وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ السَّفَرُ بِهَا لَمْ/ يَجُزْ لَهُ النَّظَرُ إِلَى شَعْرِهَا كَالْحُرِّ الْأَجْنَبِيِّ وَثَانِيهَا: أَنَّ مِلْكَهَا
لِلْعَبْدِ لَا يُحَلِّلُ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبْلَ الملك إذ ملك النساء للرجل لَيْسَ كَمِلْكِ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهَا لَا تَسْتَبِيحُ بِمِلْكِ الْعَبْدِ مِنْهُ شَيْئًا مِنَ التَّمَتُّعِ كَمَا يَمْلِكُهُ الرَّجُلُ مِنَ الْأَمَةِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَوْلَاتِهِ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ عَارِضٌ كَمَنَ عِنْدَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِغَيْرِهِنَّ فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْحُرْمَةُ مُؤَبَّدَةً كَانَ الْعَبْدُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَجَانِبِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ قَوْلِهِ: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ الْإِمَاءُ فَإِنْ قِيلَ الْإِمَاءُ دَخَلْنَ فِي قَوْلِهِ: نِسائِهِنَّ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْإِعَادَةِ؟ قُلْنَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنَى بِنِسَائِهِنَّ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ مَنْ فِي صُحْبَتِهِنَّ مِنَ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ أَوَّلًا أَحْوَالَ الرِّجَالِ بِقَوْلِهِ: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ فَجَازَ أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الرِّجَالَ مَخْصُوصُونَ بِذَلِكَ إِذْ كَانُوا ذَوِي الْمَحَارِمِ أَوْ غَيْرَ ذَاتِ الْمَحَارِمِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَاءَ بِقَوْلِهِ: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّ الْإِبَاحَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْحَرَائِرِ مِنَ النِّسَاءِ إِذْ كَانَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: أَوْ نِسائِهِنَّ يَقْتَضِي الْحَرَائِرَ دُونَ الْإِمَاءِ كَقَوْلِهِ: شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] عَلَى الْأَحْرَارِ لِإِضَافَتِهِمْ إِلَيْنَا كَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَوْ نِسائِهِنَّ عَلَى الْحَرَائِرِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِنَّ الْإِمَاءَ فَأَبَاحَ لَهُنَّ مِثْلَ مَا أَبَاحَ فِي الْحَرَائِرِ وَحَادِيَ عَشَرَهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: قِيلَ هُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَكُمْ لِيَنَالُوا مِنْ فَضْلِ طَعَامِكُمْ، وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى النِّسَاءِ، لِأَنَّهُمْ بُلْهٌ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَمْرِهِنَّ شَيْئًا، أَوْ شُيُوخٌ صُلَحَاءُ إِذَا كَانُوا مَعَهُنَّ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْخَصِيَّ وَالْعِنِّينِ وَمَنْ شَاكَلَهُمَا قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ إِرْبَةٌ فِي نَفْسِ الْجِمَاعِ وَيَكُونُ لَهُ إِرْبَةٌ قَوِيَّةٌ فِيمَا عَدَاهُ مِنَ التَّمَتُّعِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ. فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ الْمُرَادُ عَلَى مَنِ الْمَعْلُومُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا إِرْبَةَ لَهُ فِي سَائِرِ وُجُوهِ التَّمَتُّعِ، إِمَّا لِفَقْدِ الشَّهْوَةِ، وَإِمَّا لِفَقْدِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِمَّا لِلْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ، فَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُمُ الْفُقَرَاءُ الَّذِينَ بِهِمُ الْفَاقَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَعْتُوهُ وَالْأَبْلَهُ وَالصَّبِيُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الشَّيْخُ، وَسَائِرُ مَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ دُخُولُ الْكُلِّ فِي ذَلِكَ،
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا مُخَنَّثٌ فَأَقْبَلَ عَلَى أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّه إِنْ فَتَحَ اللَّه لَكُمْ غَدًا الطَّائِفَ دَلَلْتُكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ» فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا»
فَأَبَاحَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دُخُولَ الْمُخَنَّثِ عَلَيْهِنَّ حِينَ ظَنَّ «١» أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ أَحْوَالَ النِّسَاءِ وَأَوْصَافَهُنَّ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ أُولِي الْإِرْبَةِ فَحَجَبَهُ، وَفِي الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: اسْتِبَاحَةُ الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ مَعَهُمَا وَالثَّانِي: تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِمَا وَالثَّالِثَةُ: تَحْرِيمُهَا عَلَى الْخَصِيِّ دُونَ الْمَجْبُوبِ.
المسألة الثَّانِيَةُ: الْإِرْبَةُ الْفِعْلَةُ مِنَ الْأَرَبِ كَالْمِشْيَةِ وَالْجِلْسَةِ مِنَ الْمَشْيِ وَالْجُلُوسِ وَالْأَرَبُ/ الْحَاجَةُ وَالْوُلُوعُ بِالشَّيْءِ وَالشَّهْوَةُ لَهُ، وَالْإِرْبَةُ الْحَاجَةُ فِي النِّسَاءِ، وَالْإِرْبَةُ الْعَقْلُ وَمِنْهُ الْأَرِيبُ.
المسألة الثَّالِثَةُ: فِي غَيْرِ قِرَاءَتَانِ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ غَيْرَ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ أَوِ الْحَالِ يَعْنِي أَوِ التَّابِعَيْنِ عَاجِزِينَ عَنْهُنَّ وَالْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ بِالْخَفْضِ عَلَى الْوَصْفِيَّةِ وَثَانِيَ عَشَرَهَا: قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: الطِّفْلُ اسْمٌ لِلْوَاحِدِ لَكِنَّهُ وُضِعَ هَاهُنَا مَوْضِعَ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْجِنْسَ، وَيُبَيِّنُ ما بعده أنه
يُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الْحَجِّ: ٥].
المسألة الثَّانِيَةُ: الظُّهُورُ عَلَى الشَّيْءِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: الْعِلْمُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ [الْكَهْفِ: ٢٠] أَيُ إِنْ يَشْعُرُوا بِكُمْ وَالثَّانِي: الْغَلَبَةُ لَهُ وَالصَّوْلَةُ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ [الصَّفِّ: ١٤] فَعَلَى الوجه الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمَعْنَى أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَتَصَوَّرُوا عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَمْ يَدْرُوا مَا هِيَ مِنَ الصِّغَرِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، وَعَلَى الثَّانِي الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا أَنْ يُطِيقُوا إِتْيَانَ النِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَالزَّجَّاجِ.
المسألة الثَّالِثَةُ: أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَتَنَبَّهْ لِصِغَرِهِ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ فَلَا عَوْرَةَ لِلنِّسَاءِ مَعَهُ، وَإِنْ تَنَبَّهَ لِصِغَرِهِ وَلِمُرَاهَقَتِهِ لَزِمَ أَنْ تَسْتُرَ عَنْهُ الْمَرْأَةُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، وَفِي لُزُومِ سَتْرِ مَا سِوَاهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُ لِأَنَّ الْقَلَمَ غَيْرُ جَارٍ عَلَيْهِ وَالثَّانِي: يَلْزَمُ كَالرَّجُلِ لِأَنَّهُ يَشْتَهِي وَالْمَرْأَةُ قَدْ تَشْتَهِيهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلُهُ: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَاسْمُ الطِّفْلِ شَامِلٌ لَهُ إِلَى أَنْ يَحْتَلِمَ، وَأَمَّا الشَّيْخُ إِنْ بَقِيَتْ لَهُ شَهْوَةٌ فَهُوَ كَالشَّابِّ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَهْوَةٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الزِّينَةَ الْبَاطِنَةَ مَعَهُ مُبَاحَةٌ وَالْعَوْرَةَ مَعَهُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَالثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ الْبَدَنِ مَعَهُ عَوْرَةٌ إِلَّا الزِّينَةَ الظَّاهِرَةَ، وَهَاهُنَا آخِرُ الصُّوَرِ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا اللَّه تَعَالَى، قَالَ الْحَسَنُ هَؤُلَاءِ وَإِنِ اشْتَرَكُوا فِي جَوَازِ رُؤْيَةِ الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ فَهُمْ عَلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ، فَأَوَّلُهُمُ الزَّوْجُ وَلَهُ حُرْمَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا، وَالْحُرْمَةُ الثَّانِيَةُ لِلِابْنِ وَالْأَبِ وَالْأَخِ وَالْجَدِّ وَأَبِي الزَّوْجِ وَكُلِّ ذِي مَحْرَمٍ وَالرَّضَاعِ كَالنَّسَبِ يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى الشَّعْرِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقَيْنِ وَالذِّرَاعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَالْحُرْمَةُ الثَّالِثَةُ هِيَ لِلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ وَكَذَا مَمْلُوكُ الْمَرْأَةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَقُومَ الْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ بَيْنَ يَدَيْ هَؤُلَاءِ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ صَفِيقٍ بِغَيْرِ مِلْحَفَةٍ، وَلَا يَحِلُّ لِهَؤُلَاءِ أَنْ يَرَوْا مِنْهَا شَعْرًا وَلَا بَشَرًا وَالسِّتْرُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَفْضَلُ، وَلَا يَحِلُّ لِلشَّابَّةِ أَنْ تَقُومَ بَيْنَ يَدَيِ الْغَرِيبِ حَتَّى تَلْبَسَ الْجِلْبَابَ، فَهَذَا ضَبْطُ هَؤُلَاءِ الْمَرَاتِبِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَمُرُّ بِالنَّاسِ وَتَضْرِبُ بِرِجْلِهَا لِيُسْمَعَ قَعْقَعَةُ خَلْخَالِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّسَاءِ إِذَا سَمِعَ صَوْتُ الْخَلْخَالِ يَصِيرُ ذَلِكَ دَاعِيَةً لَهُ زَائِدَةً فِي مُشَاهَدَتِهِنَّ، وَقَدْ عَلَّلَ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ الَّذِي لِأَجْلِهِ نُهِيَ عَنْهُ أَنْ يُعْلَمَ زِينَتُهُنَّ مِنَ/ الْحُلِيِّ وَغَيْرِهِ وَفِي الْآيَةِ فَوَائِدُ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى:
لَمَّا نَهَى عَنِ اسْتِمَاعِ الصَّوْتِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِ الزِّينَةِ فَلَأَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إِظْهَارِ الزِّينَةِ أَوْلَى الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ مَنْهِيَّةٌ عَنْ رَفْعِ صَوْتِهَا بِالْكَلَامِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ ذَلِكَ الْأَجَانِبُ إِذْ كَانَ صَوْتُهَا أَقْرَبَ إِلَى الْفِتْنَةِ مِنْ صَوْتِ خَلْخَالِهَا، وَلِذَلِكَ كَرِهُوا أَذَانَ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى رَفْعِ الصَّوْتِ وَالْمَرْأَةُ مَنْهِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ الثَّالِثَةُ: تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى حَظْرِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إِلَى الْفِتْنَةِ.
أَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
المسألة الْأُولَى: فِي التَّوْبَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَكَالِيفَ اللَّه تَعَالَى فِي كُلِّ بَابٍ لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَلَى مُرَاعَاتِهَا وَإِنْ ضَبَطَ نَفْسَهُ وَاجْتَهَدَ، وَلَا يَنْفَكُّ مِنْ تَقْصِيرٍ يَقَعُ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ وَصَّى الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتَأْمِيلِ الْفَلَاحِ إِذَا تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا وَالثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا تُوبُوا مِمَّا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَعَلَّكُمْ تَسْعَدُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ صَحَّتِ التَّوْبَةُ بِالْإِسْلَامِ وَالْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ فَمَا مَعْنَى
مفاتيح الغيب
أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي