نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٠:وقبل ان يحدد كتاب الله ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنات من الستر والعفاف بالنسبة للمحارم وغير المحارم، وجه الخطاب أولا إلى الرجال والنساء بوجوب غض البصر وصرفه عن النظر، وذلك حتى لا ينظر الرجال بشهوة إلى غير أزواجهم، ولا ينظر النساء بشهوة إلى غير أزواجهن، فالنظر سهم مسموم من سهام إبليس، والواجب صرفه سريعا عما يشتهى، ما دام ليس في الإمكان الاحتراس منه. وقد سأل جرير بن عبد الله البجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن " نظرة الفجأة "، فأمره رسول الله أن يصرف بصره، كما ورد في صحيح مسلم، و " صرف البصر " قد يكون إلى الأرض وقد يكون إلى جهة أخرى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي :" يا علي، لا تتبع النظرة النظرة،
فإن لك الأولى، وليس لك الآخرة " رواه أبو داود والترمذي. وإلى جانب الأمر بغض البصر ألح كتاب الله من جديد على التزام العفة وحفظ الفرج من طرف الرجال والنساء، وبديهي أن هذا الحفظ لا يتحقق إلا بتفادي كل متعة خبيثة خارج الحياة الزوجية الطاهرة، كيفما كان نوعها وشكلها، وذلك قوله تعالى هنا : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن .
وبعد هذا التمهيد تناول كتاب الله بالتفصيل ما يجب على المؤمنات ستره من اطرافهن وما يسمح لهن بإظهاره من زينتهن، وبين من هم الذين لا جناح عليهم إذا شاهدوا تلك الزينة بالخصوص، فقال تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها إشارة إلى أنه لا يسوغ للمؤمنات أن يظهرن شيئا من الزينة للأجانب عنهن، ما عدا الشيء الذي يتعذر إخفاؤه من الزينة الظاهرة، مثل الكحل والخاتم وظاهر الثياب، والمراد " بالأجانب " هنا كل الأشخاص الذين لا يعتبرهم الشرع من المحارم، ثم قال تعالى : وليضربن بخمرهن على جيوبهن إشارة إلى وجوب ستر النحر والصدر حتى لا يرى منه شيء، على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، قال مقاتل : " على جيوبهن " أي على صدورهن، يعني مواضع جيوبهن، فقد كانت الجيوب عند العرب تجعل في الثوب عند الصدر، أما الوجه والكفان فلا مانع من كشفهما وعدم سترهما، لأن كشفهما مقبول في العبادة، فما بالك بما هو من قبيل العادة. و " الخمر " جمع خمار، وهو في الأصل ما يغطى به الرأس.
ثم قال تعالى مبينا محارم المرأة ومن ألحق بهم، ممن يجوز لها أن تظهر بزينتها الخفية أمامهم، لكن من غير تبرج : ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أي أزواجهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن * أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال ومعنى " الإربة " الحاجة، والمراد " بالتابعين " هنا الأتباع من الأجراء والخدم الذين لا شهوة لهم في النساء مطلقا، لمانع طبيعي أو طارئ، أو لا طمع لهم في مخدوماتهم لأنهم غير أكفاء لهن أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء أي الأطفال الصغار الذين لا عهد لهم ولا معرفة بشؤون النساء، والذين لم يصلوا إلى طور البلوغ. وإنما رخص للمحارم بالنظر إلى ما ليس بظاهر من زينة النساء المؤمنات، للضرورة التي تدعوهن إلى مداخلتهم ومخالطتهم أغلب الوقت، ولقلة توقع الفتنة والنظر إليهن بالشهوة من جهتهم، بسبب المحرمية والقرابة القريبة.
ثم نبه كتاب الله مرة أخرى إلى أنه لا ينبغي للنساء المؤمنات إذا كان شيء من زينتهن مستورا أن يلفتن إليه أنظار الرجال، بوسيلة أو بأخرى عند خروجهن، صيانة لأعراضهن وحفاظا على كرامتهن، وهذا المعنى هو المراد بقوله تعالى : ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن و " الضرب بالرجل " في هذه الآية يشير على ما كانت عليه المرأة في الجاهلية عندما كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت، إذ تضرب الأرض برجلها، ليسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن ذلك، وينصب هذا النهي على من فعل ما يشبه ذلك بنعله أو حذائه من الرجال. وليضع كتاب الله حدا فاصلا لما كان متعارفا ومتبعا في الجاهلية من طرف الرجال والنساء، قال تعالى : وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون . ومن لطائف التفسير في هذه الآية ربط الزمخشري لها بالأحكام السابقة ربطا وثيقا، حيث قال في تحليلها : " إن أوامر الله ونواهيه في كل باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها، وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا يخلو من تقصير يقع منه، فلذلك وصى المؤمنين جميعا بالتوبة والاستغفار، وبتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري