ﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

قوله :( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) هذا تخصيص من الله للمؤمنات إشعارا بأهمية الإناث في دفع الفتنة أن تقع. فإن النساء إذا اجتهدن في صد أسباب الفتنة والفاحشة، وأبين للرجال أن يسترخوا أمامهن أو يصبوا إليهن أو يجنحوا نحوهن بغض أبصارهن عنهم وعدم خضوعهن بالقول كيلا يطمع الذي في قلبه مرض، وارتدين فوق ذلك جلباب الستر والاحتشام ؛ فلا جرم حينئذ أن يُسهمن أعظم إسهام في صد الفتنة وإيصاد منافذ الفاحشة ودفع بواعث الزنا.
وعلى هذا وجب على المؤمنات أن يغضضن أبصارهن عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن. وبذلك لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجال بشهوة أو بغير شهوة ؛ كيلا يطمع فيها أولو الضعف والريبة. ويعضد ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله ( ص ) وميمونة. قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله ( ص ) : " احتجبا منه " فقلت : يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال رسول الله ( ص ) : " أوعمياوان أنتما ؟ ! أو لستما تبصرانه ؟ ! ".
وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرها إلى الرجل الأجنبي بغير شهوة وذلك لما ثبت في الصحيح أن رسول الله ( ص ) جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد، وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملّت ورجعت.
والجمع بين الدليلين المتعارضين، القول بجواز النظر منهن للرجال من غير شهوة إذا أمنت الفتنة. فإذا لم يكن ثمة فتنة في نظرهن للرجال جاز ذلك. كاللواتي يحضرن مجالس العلم فينظرون إلى المعلم وهو يلقي عليهن دروسا في العلم ؛ فهن مادمن كثيرات ولا يقال أمامهن إلا الجد كالعلم والنصح والتحذير والنهي عن الباطل والمنكر ونحو ذلك فقد أمنت الفتنة ولا جناح عليهن حينئذ في ذلك.
أما إن كانت الفتنة ترخي بظلها المريب حين النظر، كما لو كانت تنظر إليه في خلوة ؛ فإن ذلك حرام، حتى وإن كانت تنظر إلى من يعلمها أو يرشدها إلى قواعد الأدب والسلوك.
قوله :( ويحفظن فروجهن ) أي يحفظنها عما لا يحل من لمس أو نظر أو زنا أو غير ذلك من أسباب الفاحشة.
قوله :( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) نهى عن إظهار الزينة للأجانب إلا ما ظهر منها. أما الزينة فهي قسمان : زينة خِلقية، وزينة مكتسبة. أما الخلقية، فالمراد بها وجه المرأة. فهو أصل الزينة وجمال الإنسان لما فيه من أسباب المنافع التي جيء بها في الوجه على أحسن هيئة وأحسن ترتيب وذلك كالسمع والبصر والشم والذوق.
وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة لتحسين خلقتها بالتصنع كالثياب والحلي والكحل والخضاب ونحو ذلك من وجوه الزينة للنساء.
قوله :( إلا ما ظهر منها ) استثنى الله من التحريم ما ظهر منها.
والمراد بما ظهر منها موضع خلاف. فقد قيل : الثياب. يعني أنها يظهر منها ثيابها خاصة. وقيل : المراد به الكحل والخاتم والخلخال والقرط والقلادة. وقيل : المراد بما ظهر منها، والوجه والكفان.
وهو قول الجمهور. وهذا هو المشهور. ويعضد القول بذلك ما رواه أبو داود في سننه عن عائشة ( رضي الله عنها ) أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ( ص ) وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال : " يا أسماء إن المرأة ؛ إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا " وأشار إلى وجهه وكفيه.
قوله :( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) الخمر، المقانع جمع مقنعة. وواحد الخمر، الخمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها. ومنه اختمرت المرأة أي أسدلت الغطاء على رأسها فغطته.
والجيوب، جمع جيب، وهو الطوق، ومعناه النحر والصدر. فقد كان نساء الجاهلية يضربن ؛ أي يشددن خمرهن من خلف رؤوسهن فكانت تنكشف جيوبهن وهي نحورهن وقلائدهن. فأمر الله نساء المؤمنين أن يشددن مقانعهن على الجيوب ليغطين بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط بذلك من شعر وزينة كالحلي في الأذن والنحر. وقد روى البخاري عن عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله ( وليضربن بخرمهن على جيوبهن ) شققن مروطهن فاختمرن بها.
ويسأل بعض الناس عن الحكمة في تشريع اللباس الساتر للنساء. اللباس الشرعي الفضفاض الذي يغطي جسد المرأة كله بدءا. بمفرق الشعر في الرأس حتى نهاية الأخمصين من القدمين كيلا يظهر من جسدها غير الوجه والكفين. وفي نفس الوقت لم يؤمر الرجال بستر أجسادهم جميعها إلا ما بين السرة والركبة. وقد يتصور بعض الظانين بالله ظن السوء أن تشريع اللباس للناس في صفته المشروعة يتضمن حرجا لهن أو تضييقا عليهن فضلا عما في ذلك من تمييز للرجال ومحاباة لهم.
فليس الأمر كما يتصوره هؤلاء الظانون الخاطئون. إنه ليس من تمييز للرجال ولا محاباة لهم على حساب النساء البتة. بل إنما التفضيل بين الناس جميعا، أساسه التقوى دون غيره من الاعتبارات والمعايير. وعلى هذا فإن أتقى الناس وأخشاهم لله وأسرعهم لطاعته لهو الأفضل في ميزان الله سواء كان المفضل من الذكور أو الإناث ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ).
وإنما الحكمة التي تكمن في تشريع اللباس لهن ما يعلمه الله من حقيقة البشر وحقيقة فطرتهم وطبائعهم المختلفة ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) الله يعلم ما بين الذكور والإناث من تفاوت في مدى الإثارة الجنسية ومدى الاستجابة للإغراء والفتنة. والله كذلك يعلم سرعة الهيجان في الغريزة لدى الرجال. فغريزتهم الحيوانية هذه لشد ما تشيط وتتهيج وتشب إذا ما استنفرتها ظواهر الإغراء في مفاتن النساء. فإنه في الوقت الذي تنفر فيه المرأة وتشمئز أو تتقزز من رؤية الرجال العراة، فإن الرجل على عكس ذلك تماما ؛ فإنه يتفجر فيه بركان الغريزة ويضطرب لرؤية النساء الكاسيات العاريات. وبذلك فإن الرجال ينفعلون ويتململون ويهيجون بقدر ما يجدونه من فتنة النساء وإغرائهن. ويتضح ذلك في الكشف عن أجسادهن ومواطن الزينة في أبدانهن بما تثور بسببه بواعث الغريزة عند الرجال. فبات من الضرورة حجب هذه المفاتن والمحاسن المغرية عن أنظار الرجال. فكان تشريع اللباس الساتر للنساء.
قوله :( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ) الآية.
بعد أن نهى عن إظهار الزينة للرجال الأجانب استثنى من ذلك اثني عشر صنفا لا يحرم عليهم النظر إلى النساء وهم :
الصنف الأول : البعولة. لقوله تعالى :( إلا لبعولتهن ) والبعولة جمع ومفرده البعل، وهو الزوج(١).
الصنف الثاني : الآباء. لقوله تعالى :( أو آبائهن ) ويشمل ذلك الآباء وإن علوا، من جهة الذكران والإناث. كآباء الآباء وآباء الأمهات.
الصنف الثالث : آباء البعولة. لقوله تعالى :( أو آباء بعولتهن ).
الصنف الرابع : الأبناء. لقوله تعالى :( أو أبنائهن ) الابن والأب أحق الأقارب من جهة المحرمية بالاطلاع على الزينة الباطنة. وذلك من أجل البغضية القائمة بين المرأة وكل من أبيها وابنها.
الصنف الخامس : أبناء البعولة. لقوله تعالى :( أو أبناء بعولتهن ) ويدخل في ذلك أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران والإناث كبني البنين وبني البنات. وأبناء البعولة ينزلون منزلة الأبناء في المحرمية. فجاز لهم رؤية الزينة الباطنة. ويدخل في هؤلاء كذلك أولاد الأولاد، وإن سفلوا من الذكران والإناث.
الصنف السادس : الإخوة. لقوله تعالى :( أو إخوانهن ) سواء كان الإخوة من الأب أو من الأم أو منهما معا.
الصنف السابع : أبناء الإخوة وإن سفلوا، من ذكران كانوا أو من إناث. لقوله تعالى :( أو بني إخوانهن ).
الصنف الثامن : أبناء الأخوات، وإن سفلوا من ذكران كانوا أو إناث كبني بني الأخوات، وبني بنات الأخوات ؛ لقوله تعالى :( أو بني أخواتهن ) ويلحق بهؤلاء المحارم كل من العم والخال. فهم كسائر المحارم في جواز النظر وهو قول أكثر العلماء. أما الرضاع فحكمه كالنسب.
الصنف التاسع : النساء. لقوله تعالى :( أو نسائهن ) يعني المسلمات فيخرج بذلك نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم ؛ فإنه لا يحل لمسلمة أن تظهر شيئا من بدنها لامرأة مشركة. قال ابن عباس : لا يحل للمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصفها لزوجها.
وقيل : المراد جميع النساء، سواء فيهن المسلمات والكوافر.
الصنف العاشر : العبيد والإماء سواء فيهم المسلمون وغير المسلمين، لقوله تعالى :( أو ما ملكت أيمانهن ) فهو يشمل الجميع.
الصنف الحادي عشر : التابعون الذين بغير إربة. وذلك لقوله تعالى :( أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال ) ( الإربة )، بالجر، على أنه صفة للتابعين. وبالنصب على أنه مستثنى أو حال(٢) و ( الإربة )، بمعنى الحاجة(٣) وغير الإربة من الرجال ؛ أي الرجال الضعفاء الذي يتبعونكم لينالوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء.
وفي المراد بهم عدة أقوال : منها : أنه الصغير الذي ليس له شهوة. ومنها : أنه العنّين الذي لا يرغب في النساء. ومنها : أنه الأبله المعتوه الذي لا يدري من أمر النساء شيئا.
ومنها : الهرم لعجز إربه أو حاجته للنساء. ومنها : أنه الأحمق الذي لا يشتهي النساء ولا يغار عليه الرجال. ومنها : أنه خادم القوم للمعاش.
الصنف الثاني عشر : الأطفال الصغار. لقوله تعالى :( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) الطفل اسم جنس. ويعني الجمع ؛ أي الأطفال. وذلك لنعته بالذين. ويسمى الطفل بهذا الاسم ما لم يراهق الحلم(٤).
والمعنى : أو الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا ما هي لصغرهم وقيل : الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء لصغرهم، وعلى هذا فإن الصغير الذي لم يتنبه لصغره، على عورات النساء فلا عورة للنساء معه. أما إن تنبّه لصغره ولمراهقته لزم أن تستر عنه المرأة ما بين سرتها وركبتها. وفي ستر ما سوى ذلك قولان : أحدهما : عدم لزوم الستر لعدم جريان القلم عليه. وثانيهما : لزوم الستر ؛ لأن المرأة قد تشتهيه وقد يشتهيها هو.
هؤلاء المذكورون يشتركون في جواز رؤية الزينة الباطنة من النساء. أما مدى ما تجوز رؤيته لهم من المرأة، فهم في ذلك ثلاثة أقسام كما قال الحسن البصري.
القسم الأول : الزوج وله حرمة ليست لغيره من الناس ؛ إذ يحل له من امرأته كل شيء.
القسم الثاني : الابن والأب والأخ والجد وأبو الزوج وكل ذي محرم. والرضاع كالنسب، فهؤلاء يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك. أي إن كانت المرأة ذات محرم للرجل بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها معه ما بين السرة والركبة كعورة الرجل.
القسم الثالث : التابعون غير أولي الإربة من الرجال. وكذا مملوك المرأة ؛ فإنه يحل للمرأة أن تقوم بين يدي هؤلاء في درع(٥) وخمار صفيق بغير ملحفة(٦). ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعرا ولا بشرا. والستر في ذلك كله أفضل. ولا يحل للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب.
أقسام العورات
العورات أربعة أقسام نبينها في التفصيل التالي :
القسم الأول : عورة الرجل مع الرجل ؛ فإنه يجوز له أن ينظر إلى جميع بدن الرجل إلا عورته. وعورته ما بين السرة والركبة. والسرة والركبة ليستا بعورة. وعند أبي حنيفة- رحمه الله- الركبة عورة. وقال الإمام مالك : الفخذ ليس

١ - مختار الصحاح ص ٥٨..
٢ - البيان لابن الأنباري جـ ٢ ص ١٩٥..
٣ - مختار الصحاح ص ١٣..
٤ - مختار الصحاح ص ٣٩٤ وتفسير الرازي جـ٢٣ ص ٢١٠..
٥ - درع المرأة: قميصها. انظر مختار الصحاح ص ٢٠٣..
٦ - الملحفة: من اللحاف وهو ما يتلحف به. وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به. انظر مختار الصحاح ص ٥٩٣..

التفسير الشامل

عرض الكتاب
المؤلف

أمير عبد العزيز

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير