ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ

قوله(١٥٨) : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً . قال سعيد بن جبير وجماعة كثيرة : لا تنادونه باسمه فتقولون : يا محمد، ولا بكنيته فتقولون : يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه بالتوقير : يا رسول الله، يا نبي الله(١٥٩). وعلى هذا يكون المصدر مضافاً لمفعوله(١٦٠). وقال المبرد والقفال : لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم لبعض فتتباطؤون كما يتباطأ بعضكم عن بعض إذا دعاه لأمر، بل يجب عليكم المبادرة لأمره، ويؤيده قوله : فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ (١٦١). وعلى هذا يكون المصدر مضافاً للفاعل(١٦٢).
وقال ابن عباس :«احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه، فإن دعاءه موجب لنزول البلاء بكم ليس كدعاء غيره »(١٦٣). وروي عنه أيضاً :«لا ترفعوا أصواتكم في دعائه ». وهو المراد من قوله : إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله (١٦٤) [ الحجرات : ٣ ] وقول المبرد أقرب إلى نظم الآية. وقرأ الحسن :«نبيكم » بتقديم النون على الباء المكسورة، بعدها ياء مشددة مخفوضة(١٦٥) مكان(١٦٦) «بينكم » الظرف في قراءة العامة، وفيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه بدل من الرسول(١٦٧).
الثاني : أنه عطف بيان له(١٦٨)، لأَنَّ النبيَّ بإضافته إلى المخاطبين صار أشهر من الرسول.
الثالث : أنه نعتٌ.
لا يقال : إنه لا يجوز لأن هذا كما قَرَّرتم أعرف، والنعت لا يكون أعرف من المنعوت بل إمَّا أقلُّ أو مساوٍ، لأنَّ الرَّسول صار علماً بالغلبة على محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد تساويا تعريفاً(١٦٩).
قوله : قَدْ يَعْلَمُ الله . «قد » تدل على التقليل مع المضارع إلاّ في أفعال الله فتدل على التحقيق كهذه الآية. وقد ردَّها بعضهم إلى التقليل، لكن إلى متعلَّق العلم، يعني : أن الفاعلين لذلك قليل، فالتقليل ليس في العلم بل في متعلِّقه(١٧٠).
قوله : لِوَاذاً فيه وجهان :
أحدهما : أنه منصوب على المصدر من معنى الفعل الأول، إذ التقدير : يتسلّلون منكم تَسَلُّلاً، أو يُلاَذُون لواذاً(١٧١).
والثاني(١٧٢) : أنه مصدر في موضع الحال، أي : مُلاَوِذين(١٧٣).
واللِّواذُ : مصدر لاَوذَ، وإنما صحَّت(١٧٤) الواو وإن انكسر ما قبلها ولم تُقلب ياءً كما قُلبَتْ في «قِيَام » و «صِيَام »، لأنه صحَّت(١٧٥) في الفعل نحو «لاَوَذَ »، فلو أُعِلَّتْ في الفعل أُعِلَّتْ في المصدر نحو «القيام » و «الصِّيَام » لقلبها ألفاً في «قام » و «صام ». وأما مصدر :«لاَذَ بكذا(١٧٦) يَلُوذُ به » فمعتل نحو :«لاَذَ لِيَاذاً » مثل :«صَامَ صِياماً، وقام قِياماً »(١٧٧). واللِّوَاذُ والمُلاَوَذَةُ : التَّستُّر، يقال : لاَوَذَ فلانٌ بكذا : إذا استتر بِهِ(١٧٨). واللَّوذُ : ما يُطيفُ بالجبل(١٧٩). وقيل : اللِّوَاذُ : الرَوَغَان من شيءٍ إلى شيءٍ في خفيةٍ(١٨٠)، ووجه المفاعلة أَنَّ كُلاًّ منهم يلُوذُ بصاحبه، فالمشاركة موجودة.
وقرأ يزيد(١٨١) بن قطيب(١٨٢) :«لَوَاذاً » بفتح اللام(١٨٣)، وهي محتملة لوجهين :
أحدهما : أن يكون مصدر «لاذ » ثلاثياً(١٨٤)، فيكون مثل «طاف طوافاً(١٨٥) ».
والثاني : أن يكون مصدر «لاَوَذَ » إلاّ أنه فتحت الفاء إتباعاً لفتحة العين(١٨٦). وهو تعليل ضعيف يصلح لمثل هذه القراءة(١٨٧).

فصل


المعنى : قال المفسرون : إن المنافقين كانوا يخرجون مستترين بالناس من غير استئذان حتى لا يروا. قال ابن عباس : كان المنافقون يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار(١٨٨) وقال مجاهد : يتسللون من الصف في القتال(١٨٩). وقيل : كان هذا في حفر الخندق ينصرفون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مختفين(١٩٠). وقيل : يعرضون عن الله وعن كتابه وعن ذكره وعن نبيه(١٩١).
قوله :«فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ » فيه وجهان :
أشهرهما، وهو الذي لا يعرف النحاة غيره(١٩٢) : أن الموصول هو الفاعل و «أن تصيبهم »(١٩٣) مفعوله(١٩٤)، أي : فليحذر المخالفون عن أمره إصابتهم فتنة.
والثاني : أن فاعل «فَلْيَحْذَر » ضمير مستتر، والموصول مفعول به. وردَّ هذا بوجوهٍ(١٩٥) :
منها : أن الإضمار خلاف الأصل. وفيه نظر، لأنَّ هذا الإضمار في قوة المنطوق به، فلا يقال : هو خلاف الأصل، ألا ترى أن نحو :«قُمْ » و «ليقُمْ » فاعله مضمر، ولا يقال في شيء منه هو خلاف الأصل، وإنما الإضمار خلاف الأصل(١٩٦) فيما كان حذفاً نحو :«وَاسْأَلِ القَرْيَة »(١٩٧).
ومنها : أنَّ هذا الضمير لا مرجع له، أي : ليس له شيء يعود عليه، فبطل أن يكون الفاعل ضميراً مستتراً. وأجيب بأن الذي يعود عليه الضمير هو الموصولُ الأول(١٩٨)، أي : فَلْيَحْذَر المُتَسَلِّلُونَ المخالفين(١٩٩) عن أمره، فيكونون قد أمروا بالحذر منهم، أي : أُمرُوا باجتنابهم، كما يُؤْمَرُ باجتناب الفُسَّاقِ. وردُّوا هذا بوجهين :
أحدهما : أنَّ الضمير مفرد(٢٠٠)، والذي(٢٠١) يعود عليه جمع، ففاتت المطابقةُ التي هي شرطٌ في تفسير الضمائر.
الثاني : أن المُتَسلِّلينَ هم المُخالِفُون، فلو أمروا بالحذر عن الذين يخالفون لكانوا قد أُمِرُوا بالحذر عن أنفسهم، وهو لا يجوز، لأنه لا يمكن أن يُؤْمَرُوا بالحذر عن أنفسهم. ويمكن أن يُجاب عن الأول بأن الضمير وإن كان مفرداً فإنما عاد على جمع باعتبار أن المعنى : فليحذر هو، أي من ذكر قبل ذلك، وحكى سيبويه :«ضَرَبَني وضربت قومك » أي : ضَرَبَني من ثمَّ ومن ذكر(٢٠٢)، وهي مسألة معروفة في النحو. أو(٢٠٣) يكون التقدير : فَلْيَحْذَر كلُّ واحد من المتسللين.
وعن الثاني : بأنه يجوز أن يُؤْمَر الإنسانُ بالحذر عن نفسه مجازاً، يعني : أنه لا يطاوعها على(٢٠٤) شهواتها، وما تُسوِّلُه له من السوء(٢٠٥)، وكأنه قيل : فليحذر المخالفون أنفسهم فلا يطيعوها فيما تأمرهم به، ولهذا يقال : أمَرَ نفسهُ ونَهَاهَا، وأَمرتهُ نفسهُ باعتبار المجاز(٢٠٦).
ومنها : أنه يصير قوله : أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ مفلَّتاً ضائعاً، لأنَّ(٢٠٧) «يحذر » يتعدى لواحد، وقد أخذه على زعمكم، وهو الذين(٢٠٨) يخالفون ولا يتعدى إلى اثنين حتى يقولوا : إن(٢٠٩) أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ في محل مفعوله(٢١٠) الثاني، فيبقى ضائعاً. وفيه نظرٌ، لأنَّا(٢١١) لا نُسلِّم ضياعهُ، لأنه مفعول من أجله. واعترض على هذا بأنه لا يستكمل شروط النصب لاختلاف الفاعل، لأن فاعل الحذر غير فاعل الإصابة.
وهو ضعيف، لأن حذف حرف الجر يطرد مع «أَنَّ » و «أَنْ » منقول مسلمٌ : شروط النصب غير موجودةٍ، وهو مجرور باللام تقديراً، وإنما حُذفت مع(٢١٢) أَنْ لطولها بالصلة. و «يُخَالِفُونَ » يتعدى بنفسه نحو : خَالَفْتُ أَمْر زيدٍ، وب «إِلَى » نحو : خالفتُ إلى كذا، فكيف تعدَّى هذا بحرفِ المجاورة ؟ وفيه أوجه :
أحدها : أنه ضُمِّنَ معنى «صَدَّ » و «أَعْرَضَ » أي : صدَّ عن أمره، وأَعْرَضَ عنه مُخَالِفاً(٢١٣) له.
الثاني : قال ابن عطية : معناه : يقعُ خلافُهُمْ بعدَ أَمْرِه، كما تقول : كان المطر عَنْ ريح كذا، و «عن » لِمَا عدا الشي(٢١٤).
الثالث : أنها مزيدة، أي : يخالفون أمره، وإليه نحا الأخفش(٢١٥) وأبو عبيدة(٢١٦). والزيادة خلافُ الأصل. وقُرِئ :«يُخَلِّفُونَ » بالتشديد(٢١٧)، ومفعوله محذوف، أي : يُخَلِّفُونَ(٢١٨) أَنْفُسَهُمْ.

فصل


المعنى : فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ أي : يعرضون «عَنْ أَمْرِهِ »، أو يخالفون أمره وينصرفون عنه(٢١٩) بغير إذنه أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أي : لئلا تصيبهم فتنة.
قال مجاهد : بلاء في الدنيا. أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وجيع في الآخرة. والضمير في «أمره » يرجع إلى «الرسول ». وقال أبو بكر الرازي : الأظهر أنه لله تعالى (٢٢٠) لأنه يليه.

فصل


الآية تدل على أن الأمر للوجوب، لأن تارك المأمور مخالف للأمر، ومخالف الأمر يستحق العقاب، ولا معنى للوجوب إلا ذلك(٢٢١).

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية