( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا( يعني إذا دعاكم الرسول إلى أمر جامع أو غير ذلك فأجيبوا دعوته وامتثلوا أمره ولا تجعلوا دعوته إياكم كدعوة بعضكم بعضا في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة والرجوع بغير إذن فإن المبادرة إلى إجابته واجبة والمراجعة بغير إذنه حرام بخلاف غير ذلك، فهذه بهذا التأويل نظيرة لقوله تعالى :( يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم( ١ والإضافة في دعاء الرسول إضافة المصدر إلى فاعله والمفعول محذوف، وقال مجاهد والقتادة معنى الآية لا تجعلوا دعاءكم الرسول كدعاء بعضكم بعضا يعني لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا ولكن فخموه وشرفوه أخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه قال كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم فأنزل الله تعالى هذه الآية فقالوا : يا نبي الله يا رسول الله، لكن هذا التأويل لا يناسب ما سبق وما يتلوه فإن الكلام في الخروج باستئذان وبغير استئذان وأيضا لا يناسبه نفس هذا الكلام لأن المشبه به هو الدعاء المضاف إلى الفاعل لكون المفعول به بعده منصوبا فلا بد أن يكون في المشبه أيضا الرسول فاعلا للدعاء لا مفعولا، وقال البغوي قال ابن عباس معنى الآية احذروا عن دعاء الرسول عليكم إذا أستخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، روى البخاري في الصحيح عن عائشة قالت : إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : السام عليك قال وعليكم فقالت عائشة : السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك العنف والفحش " قالت : أو لم تسمع ما قالوا ؟ قال : أو لم تسمعي ما قلت ؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في " قلت : على هذا كان حق كلام لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض لكن يمكن على هذا معنى الآية : لا تجعلوا دعاء الرسول ربه كدعاء صغيركم كبيركم يجيبه مرة ويرده أخرى، فإن دعاه مستجاب لا يرد لا محالة.
( قد يعلم الله الذين يتسللون( السل انتزاع الشيء من الشيء وإخراجه في اختفاء ولذلك يطلق على السرقة الخفية يقال : سل البعير في جوف الليل وانسل واستل أي انطلق وخرج في اختفاء كذا في القاموس والمعنى الذين يخرجون ( منكم( أي من بينكم مختفيا ( لواذا( مصدر لاود يلاوذ مولاذة ولواذا وليس من لاذ يلوذ فإن مصدر لياذ واللياذ الالتجاء بغيره والانضمام إليه ورد في الدعاء المأثور اللهم ألوذ بك واللواذ أن يلوذ كل واحد منهم بالآخر والمعنى أنهم يخرجون مستترين يلوذ بعضهم ببعض يخرج أو يلوذ بمن يؤذن في الخروج فيخرج معه كأنه تابعه في القاموس اللوذ بالشيء الاختفاء والاحتصان به كاللواذ مثلثة وكان هذا حال المنافقين في حفر الخندق على ما قال ابن إسحاق والبيهقي عن عروة ومحمد بن كعب القرظي كانوا. . . ينصرفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفين وقال ابن عباس كان المنافقين يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار ولواذا، منصوب على الحال ومعنى قوله : قد يعلم أنه يجازيهم فإن الجزاء فرع العلم.
( فليحذر( تفريغ على قوله ( قد يعلم الله( ( الذين يخالفون عن أمره( قيل عن زائدة والمعنى يذهبون سمتا خلاف سمته وقيل أورد عن لتضمين يخالفون معنى الإعراض أو المعنى يصدرون عن أمره دون المؤمنين من خالقه عن الأمر إذا صد عنه دونه وحذف المفعول لأن المقصود بيان المخالف والمخالف عنه وجاز أن يكون عن أمره في محل النصب على الحال والمفعول محذوف تقديره اللذين يخالفون الرسول ويخالفون المؤمنين عن أمره وضمير أمره إما راجع إلى الله أو على الرسول صلى الله عليه وسلم ( أن تصيبهم فتنة( أي محنة وبلاء في الدنيا كذا قال مجاهد ( أو يصيبهم عذاب أليم( في الآخرة أن مع صلته في محل النصب على أنه مفعول ليحذروا يعني ليحذروا إصابة الفتنة أو إصابة العذاب الأليم وذلك بسبب المخالفة عن أمره وجاز أن يكون المفعول محذوفا تقديره : فليحذر الذين يخالفون عن أمره عن المخالفة لئلا يصيبهم فتنة أو عذاب أليم وهذه الآية حجة لقائلين بأن مطلق الأمر يعني ما لا قرينة على كونه للوجوب أو للندب أو غير ذلك يكون للوجوب فحسب وليس مشتركا بين الوجوب والندب على ما تقل الشافعي أو بينهما وبين الإباحة أو بين الثلاثة وبين التهديد على ما ذهب إليه الشيعة ونقل عن ابن شريح فإن خوف الفتنة والعذاب لا يتصور إلا في ترك الواجب أو ارتكاب المحرم.
التفسير المظهري
المظهري