أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ، على أن العمل بأوامر الله هو من الإيمان، فالعمل بالاستئذان الذي أمرهم به من الإيمان.
قال تعالى يخاطب المؤمنين: لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً، أي: اتقوا دعاء الرسول عليكم إن مضيتم بغير أمره، فتهلكوا ولا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فإن دعاءه مجاب. قال ابن عباس.
وقال مجاهد: أمروا أن يدعوا الرسول بلين وتواضع، ولا يدعوه بغلظ وجفاء، كما يخاطب بعضكم بعضاً. وهذا مثل قوله: لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي، وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ [الحجرات: ٢].
وقال قتادة: أمروا أن يفخموه ويشرفوه، وقول ابن عباس: أليق بما تقدم قبله من المعنى.
ثم قال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً، الآية، هذه الآية نزلت في حفر الخندق حول المدينة، وذلك أن اليهود سعت في البلاد على حرب النبي ﷺ، فأتت قريش وقائدها أبو سفيان، وأتت
غطفان من قيس وقائدها عيينة بم حصن، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ضرب الخندق على المدينة، وذلك في شوال من سنة خمس من الهجرة فعمل رسول الله ﷺ في الخندق بيده، وعمل معه المسلمون، وتخلف عن العمل رجال من المنافقين، وجعلوا يعتذرون بالضعف ويتسللون إلى أهليهم بغير إذن من رسول الله وجعل المؤمنون يستأذنون النبي عليه السلام غذا عرضت لهم حاجة، فأنزل الله هذه الآية في ذلك.
قال الضحاك: كان يستتر بعضهم ببعض فيقومون. ولواذاً مصدر لاوذ ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي متلاوذين أي مخالفين، يلوذ بعضهم ببعض، فيستتر به لئلا يُرى عند انصرافه.
قال مجاهد: لواذاً خلافاً. ولم يعتل لواذاً، كما اعتل قياماً، لأن الواو صحت في
الفعل، فقيل لاوذ يُلاوذ فصحت في المصدر واعتلت في الفعل من قيام، فقيل: قام يقوم فوجب أن يعتل في المصدر، فقيل: من أجل ذلك قياماً فما عرفه.
ثم قال: فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ، أي ليحذر من يخالف أمر النبي عليه السلام أن تصيبه فتنة وهي: أن يطبع على قلبه فلا يؤمن، أي يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه.
قال ابن زيد: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن النبي ﷺ، وقال: اللواذ: الروغان، ثم قال: أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أي في الدنيا على صنعهم ذلك.
وقال أبو عبيدة: " عن " هنا زائدة. وذلك بعيد، على مذهب سيبويه، وغيره لأن " عن " و " على " لا تزادان. ومعناه يخالفون بعدما أمرهم النبي عليه السلام.
وقال الطبري: المعنى: فليحذر الذين يولون عن أمره، ويدبرون عنه
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي