(لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)
هذه الآية لبيان الحال الذي يجتمع فيه المؤمنون في (أَمْرٍ جَامِعٍ)، وصفه الزمخشري بقوله " أنه خطب جليل لابد لرسول الله - ﷺ - فيه من ذوي رأي وقوة يظاهرونه عليه، ويعاونونه، ويستضيء بآرائهم ومعارفهم، وتجاربهم في كفايته، (١).
وإنه في هذا الاجتماع يجب أن تلاحظ مكانة النبي - ﷺ -، فلا يخاطب كما يخاطب أي شخص، والدعاء: النداء، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي لا تنادوا الرسول كما ينادي بعضكم بعضا، واعرفوا حق الاجتماع من أدب القول، واجتماع القلوب، فلا ينفر أحدكم، ولا يتجانف، واعرفوا حق الاجتماع.
ثم قال تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلونَ مِنكُمْ لِوَاذًا) " قد " للتحقيق، و " قد " لَا تستعمل في القرآن إلا للتحقيق، ولا تستعمل للتقليل ولا التكثير، وخصوصا بالنسبة لعلم الله تعالى، (يَتَسَلَّلونَ)، معناها يخرجون متدرجين في الخروج واحدا بعد آخر، فهم يخرجون قليلا (لِوَاذًا)، أي يلوذ بعضهم ببعض،
________
(١) الكشاف للزمحشرى: ٣/ ٧٨.
حتى يتكاثر جمعهم، وأولئك هم المنافقون الذين يشق عليهم اجتماع المؤمنين، ويشتد غيظهم، كلما رأوهم يتبادلون الأمر فيما بينهم، ولذلك كان أشق الأيام عليهم يوم الجمعة، إذ يجتمع المؤمنون في المسجد يتشاورون في أمورهم الحاضرة والقابلة.
ثم قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) الفاء للإفصاح، وهي تومئ إلى شرط مقدر، واللام للأمر، والأمر بالحذر يوجب العمل على الوقاية من شر المخالفة، والضمير في (أَمْرِهِ) يعود إلى النبي - ﷺ -، والمعنى ليحذر الذين يخالفون رسول الله - ﷺ - صادين عن أمره (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الفتنة هي اضطراب وانحلال الجماعة وتفرقها، والعذاب الأليم هو عذاب يوم القيامة، فمخالفة الرسول في الأمر الجامع تؤدى إما إلى فتنة مردية، ولا يكون ذلك في حياة الرسول، بل يحتمل أن يكون في الأئمة من بعده كما كانت الفتنة في عهد الإمام عثمان، والإمام على رضي الله عنهما، وانفلت الأمر إلى معاوية فكان ملكا عضوضا.
والعذاب الأليم للمنافقين الذين يفرقون في الجماعة، ويشيعون عدم الثقة والفساد، يستقبلهم يوم القيامة كما يستقبل كل الكفار، مع ملاحظة أن النفاق ذاته عذاب لذوي النفوس المدركة، لأن المنافق يكون مضطربا دائما بين ما يخفيه وما يظهره، وما يناله، ولقد قال - ﷺ - في بيان حال المنافق: " مثل المنافق كمثل الشاة الحائرة بين غنمين لَا تدري إلى أيهما تذهب " وهذا عذاب نفسي أليم.
لقد ذكرهم سبحانه بسلطانه في السماوات والأرض، وأن المآل إليه فقال:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة