ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ ﰿ

الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ
[٥].
ويتبادر لنا والله أعلم أن هذه الآية ليست على سبيل الحصر بدليل أو قرينة سبحانه وتعالى حرّم النساء المشركات على المؤمنين بنص قرآني. ولم يحرم طعام المشركين على المسلمين بنصّ قرآني وإن كان لم يحلّه بحيث يمكن أن يقال إن غير المسلمين الكتابيين إذا قدموا لأصدقائهم المسلمين مأكولات مباحة وغير محرمة عليهم في القرآن والأحاديث ساغ لهم أن يأكلوها. أما طعام المسلمين للمشركين فلم نر أي تحريم لذلك. ولقد روى ابن هشام أن المسلمين أسروا أمير اليمامة ثمامة بن أثال وكان مشركا فنصب له رسول الله ﷺ خيمة في مسجده وكان يرسل إليه طعاما من بيوته. والله تعالى أعلم.
وكلمة أخيرة في صدد ما يقدمه الكتابيون من طعام للمسلمين، فقد قال جمهور من المفسرين والفقهاء إن نصّ الآية مطلق وليس من ضرورة بتردد المسلم وتكلفه وسؤاله فالله تعالى أحلّ له طعامهم ويعنون بذلك اللحوم البريّة فليأكلوا على الإباحة وهذا سبيل. ومنهم من قال هذا مع زيادة إذا تيقن المسلم فيما يقدمه الكتابيون من طعام محرمات أساسيّة على المسلمين في القرآن والأحاديث فلا يأكله وهذا سبيل أيضا والله تعالى أعلم. انظر تفصيلات أخرى في تفسير الآيات [٤- ٦] من سورة المائدة في الجزء التالي.
[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)

صفحة رقم 453

(١) أمر جامع: أمر ذو خطورة يستدعي اجتماع الناس وشهودهم إياه.
(٢) يتسللون: يخرجون خفية ومسارقة. والسلة هي السرقة.
(٣) لواذا: متسترين ببعض حتى لا يروا وهم يخرجون، ولاذ به، بمعنى:
استتر به، أو لجأ إليه أو انتحى نحوه.
تعليق على الآية إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إلخ والآيتين التاليتين لها وما فيها من آداب وتلقين وصور
عبارة الآيات واضحة. وفيها تأديب للمؤمنين إزاء مجالس الرسول ودعائه.
وتنويه بالذين يتصرفون في ذلك بما يليق بمركزه ومقامه، فلا يتركون مجالسه إلّا لعذر وبعد الاستئذان منه وإذنه. فهم المؤمنون حقا بالله ورسوله. وتنديد بالذين يتصرفون في ذلك تصرفا غير لائق فيتسللون من مجالسه. وإنذار دنيوي وأخروي لهم.
روى البغوي أن الآية الأولى نزلت في ظروف حفر الخندق ووقعة الأحزاب حيث كان المنافقون ينسحبون تسللا وخفية من المعسكر. ولا ينفذون أوامر النبي صلى الله عليه وسلم. وروى الطبري أنها نزلت في المنافقين الذين كان يثقل عليهم حديث النبي يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحاب رسول ويخرجون من المسجد متسللين.
بدون إذن من النبي، في حين كان المخلصون يستأذنون بالإشارة إذا كان لهم حاجة في الخروج فيأذن لهم بالإشارة. غير أن أكثر المفسرين قالوا إن الآيات عامة في صدد مجالس النبي واجتماعاته واجتماعات يوم الجمعة معا. ويبدو لنا هذا القول أوجه لأن سورة الأحزاب قد احتوت ما اقتضت حكمة التنزيل ذكره من مشاهد وقعة الأحزاب والخندق ومواقف المنافقين. ولأن فحوى الآيات يلهم أنها أعمّ من اجتماعات يوم الجمعة وخطبتها.

صفحة رقم 454

وقد روى المفسرون «١» عن ابن عباس ومجاهد أن جملة لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً في صدد الأمر بمخاطبة النبي ﷺ بألفاظ التوقير والتعظيم لا بالاسم والكنية فقط كما يخاطبون بعضهم. كما رووا أنها في صدد النهي عن عمل ما يستوجب دعاء النبي عليهم ودعاؤه موجب مستجاب.
وروى بعضهم «٢» أن الجملة في صدد التنبيه على ما يجب عليهم من تلقي دعوة النبي بالاهتمام حين ما يدعوهم إلى اجتماع لأن دعوته ليست من قبل دعوة بعضهم لبعض.
وقد تكون رواية الزمخشري الأخيرة هي الأكثر اتساقا مع موضوع الآية الأولى ومع الفقرة التي جاءت بعد الجملة التي نحن في صددها. وبهذا فقط يظهر الانسجام بين أجزاء الآيات.
والذي يتبادر لنا أن بعض المسلمين أو مرضى القلوب تلكأوا عن تلبية دعوة النبي ﷺ إلى اجتماع عام دعا إليه وأن بعضهم تسللوا من مثل هذا الاجتماع فاقتضت الحكمة الإيحاء بالآيات بأسلوبها المطلق ليكون من تأديب عام للمؤمنين في صدد ذلك على النحو الذي شرحناه.
والآيات تبدو فصلا جديدا. ولكن ما احتوته من تأديب للمسلمين وتعليم لآداب السلوك في مجالس النبي قد يجعلها متصلة موضوعا بالفصول السابقة فإذا لم تكن قد نزلت بعدها مباشرة فيكون وضعها في ترتيبها بسبب التناسب الموضوعي. والإنذار المنطوي في جملة فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ قوي رهيب، وقد جاء مطلقا هو الآخر ليكون مستمر المدى والشمول للذين يخالفون أوامر رسول الله ﷺ ونواهيه وسنته الثابتة في كل وقت. وفي الجملة تأييد زجري للآيات العديدة التي أكدت وجوب طاعة رسول الله والوقوف عند ما يأمر به وينهى عنه، وقررت أن اتباعه من وسائل رضاء الله ومحبته على ما جاء في آيات

(١) انظر تفسير البغوي والطبري وابن كثير والخازن.
(٢) انظر تفسير الزمخشري.

صفحة رقم 455

الأنفال [١ و ٢٠ و ٤٦] وآل عمران [٣١ و ٣٢] والنساء [٨٠] والحشر [٧] وقد علقنا على الموضوع ونبهنا على دواعيه المباشرة في العهد المدني. وقد أوردنا بعض الأحاديث في ذلك في سياق تفسير سورة الحشر أيضا فنكتفي بهذا التنبيه.
ولقد أورد ابن كثير في سياق الجملة التي نحن في صددها حديثا رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال «قال رسول الله ﷺ مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فكلّما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحّمن فيها. قال فذلك مثلي ومثلكم. أنا آخذ بحجزكم عن النار هلمّ عن النار فتغلبوني وتتقحمون فيها» «١».
والآيات مع خصوصيتها الزمنية والموضوعية تنطوي على تلقين تأديبي مستمر المدى بوجوب احترام المجالس العامة والاجتماعات العامة التي قد يعقدها أو يدعو إليها الرؤساء والأمراء وذوو الشأن في المسلمين وعدم الاستخفاف بها وعدم تركها بدون استئذان وبدون معذرة صحيحة بالإضافة إلى ما فيها من توكيد التزام سنّة رسول الله وعدم مخالفتها على ما ذكرناه قبل.

(١) روى الشيخان هذا الحديث عن أبي هريرة بهذه الصيغة «إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيها» انظر التاج ج ١ ص ٣٧.

صفحة رقم 456

سورة المنافقون
في السورة حملة شديدة على المنافقين. وحكاية لأقوال ومواقف خطيرة صدرت منهم فيها كيد وعداء وتحريض على النبي والمهاجرين وردود تسفيه عليهم. وتثبيت وتطمين للنبي والمؤمنين. وفيها تحذير للمؤمنين عن الاستغراق في حبّ المال والولد عن ذكر الله وحثّ لهم على الإنفاق وهم في سعة من الوقت والعمر. وآيات السورة منسجمة مما يسوغ القول إنها نزلت دفعة واحدة أو أن فصل المنافقين جميعه نزل دفعة واحدة ثم تبعه الفصل التحذيري الأخير.
ولقد روي أن الأقوال التي حكتها بعض آيات السورة صدرت من زعيم المنافقين أثناء غزوة المريسيع التي أثير فيها حديث الإفك ضد أم المؤمنين عائشة الذي تضمنت سورة النور الإشارة إليه حيث يبدو من ذلك صحة رواية ترتيب نزول السورة بعد سورة النور.
وفي سورة النور مقاطع عديدة فيها حملات تنديدية على المنافقين. وصور من مواقفهم على ما مرّ شرحه فيها. وفي هذه السورة حملة أخرى فيها مواقف أخرى.
حيث يمكن أن يكون في هذا قرينة أخرى على صحة رواية نزول هذه السورة بعد سورة النور. على أن هناك ما يحسن التنبيه عليه أيضا. فالروايات تذكر أن وقعة المريسيع كانت قبل وقعة الأحزاب أو الخندق التي أشير إليها في سورة الأحزاب.
مع أن الروايات تذكر أن سورة الأحزاب في الترتيب سابقة لسورتي النور والمنافقون.
فإما أن يكون في روايات تواريخ الوقائع الجهادية النبوية شيء من الخطأ وإما أن تكون هذه السورة نزلت قبل سورة الأحزاب. ولقد أوردنا في مقدمة سورة النور احتمال أن تكون هذه السورة أيضا قد نزلت قبل سورة الأحزاب. وتظل قوة قرينة نزول سورة (المنافقون) بعد سورة النور على كل حال قائمة. والله تعالى أعلم.

صفحة رقم 457

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية