ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

ثم يقول الحق سبحانه :
وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا٢٣ :
حين تنظر في غير المؤمنين تجد من بينهم أهلا للخير وعمل المعروف، ومنهم أصحاب ملكات طيبة، كالذين اجتمعوا في حلف الفضول لنصرة المظلوم، وكأهل الكرم وإطعام الطعام، ومنهم من كانت له قدر عظيمة استظل رسول الله في ظلها يوم حر قائظ، وهذا يعني أنها كانت كبيرة واسعة منصوبة وثابتة كالبناء، كان يطعم منها الفقراء والمساكين، وحتى الطير والوحوش، وما زلنا حتى الآن نضرب المثل في الكرم بحاتم الطائي، وكان منهم من يصل الرحم ويغيث الملهوف... الخ.
لكن هؤلاء وأمثالهم عملوا لجاه الدنيا، ولم يكن في بالهم إله يبتغون مرضاته، والعامل يأخذ أجره ممن عمل له، كما جاء في الحديث القدسي :" فعلت ليقال، وقد قيل " ١.
والحق- تبارك وتعالى- يوضح هذه المسألة في قوله تعالى : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ٣٩ ( النور ).
وقال تعالى أيضا : أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف... ١٨ ( إبراهيم ).
فقد عمل هؤلاء أعمال خير كثيرة، لكن لم يكن في بالهم الله، إنما عملوا للإنسانية وللشهوة وليقال عنهم ؛ لذلك نراهم في رفاهية من العيش وسعة ممتعين بألوان النعيم، لماذا ؟ لأنهم أخذوا الأسباب المخلوقة لله تعالى، ونفذوها بدقة، والله –تبارك وتعالى – لا يحرم عبده ثمرة مجهوده، وإن كان كافرا، فإن ترك العبد الأسباب وتكاسل حرمه الله وإن كان مؤمنا. وفرق بين عطاءات الربوبية التي تشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، وبين عطاءات الألوهية.
فمن الكفار من أحسن الأخذ بالأسباب، فاخترعوا أشياء نفعت الإنسانية، وأدوية عالجت كثيرا من الأمراض. ولا بد أن يكون لهم جزاء على هذا الخير، وجزاؤهم أخذوه في الدنيا ذكرا وتكريما وتخليدا لذكراهم، وصنعت لهم التماثيل وأعطوا النياشين، وألفت في سيرتهم الكتب، كأن الله تعالى لم يجحدهم عملهم، ولم يبخسهم حقهم.
ألا ترى أن أبا لهب الذي وقف من رسول الله موقف العداء حتى نزل قوله تعالى : تبت يدا أبي لهب وتب١ ما أغنى عنه ماله وما كسب ٢
( المسد ) : ومع ذلك يخفف الله عنه العذاب ؛ لأنه أعتق جارته ثويبة حينما بشرته بميلاد محمد بن عبد الله ؛ لأنه فرح بهذه البشرى وأسعده هذا الخبر٢.
ومن العجيب أن هؤلاء يقفون عند صناعات البشر التي لا تعدو أن تكون ترفا في الحياة، فيؤرخون لها ولأصحابها، وينسون خالق الضروريات التي أعانتهم على الترقي في كماليات الحياة وترفها.
وكلمة هباء... ٢٣ ( الفرقان ) : الأشياء تتبين للإنسان، إما لأن حجمها كبير أو لأنها قريبة، فإن كانت صغيرة الحجم عزت رؤيتها، فمثلا يمكنك رؤية طائر أو عصفور إن طار أمامك أو حتى دبور أو نحلة، لكن لو طارت أمامك بعوضة لا تستطيع رؤيتها.
إذن : الشيء يختفي عن النظر لأنه صغير التكوين، لا تستطيع العين إدراكه ؛ لذلك اخترعوا المجاهر والتليسكوب.
وقد يكون الشيء بعيدا عنك فلا تراه لبعده عن مخروطية الضوء ؛ لأن الضوء يبدأ من نقطة، ثم يتسع تدريجيا على شكل مخروط، كما لو نظرت من ثقب الباب الذي قطره سنتيمتر فيمكن رؤية مساحة أوسع منه بكثير.
إذن : إن أردت أن ترى الصغير تكبره، وإن أردت أن ترى البعيد تقربه.
والهباء : هو الذرات التي تراها في المخروط الضوئي حين ينفذ إلى حجرتك، ولا تراها بالعين المجردة لدقتها، وهذا الهباء الذي تراه في الضوء هباء منثورا٢٣ ( الفرقان ) : يعني : لا تستطيع أن تجمعه ؛ لأنه منتشر وغير ثابت، فمهما أوقفت حركة الهواء تجده في الضوء يتحرك لصغر حجمه.
فإن قلت : نراهم الآن يصنعون ( فلاتر ) لحجز هذا الهباء فتجمعه وتنقي الهواء منه، وهي على شكل مسام أسفنجية يعلق بها الهباء، فيمكن تجميعه.
نقول : حتى مع وجود هذه الفلاتر، فإنها تجمع على قدر دقة المسام، وتحجز على قدرها، وعلى فرض أنك جمعته في هذا الفلتر، ثم أفرغته وقلت لي : هذا هو الهباء، نقول لك : أتستطيع أن ترد كل ذرة منها إلى أصلها الذي طارت منه ؟

١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده(٢/٣٢٢)، ومسلم في صحيحه (١٩٠٥)والنسائي في سننه(٦/٢٣-٢٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجلا استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار"الحديث بطوله..
٢ قال الحافظ ابن حجر في"الإصابة في تمييز الصحابة "(٨/٣٦):"قال ابن سعد: أخبرنا الواقدي عن غير واحد من أهل العلم قالوا: كانت ثويبة مرضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلها وهو بمكة وكانت خديجة تكرمها وهي على ملك أبي ملك أبي لهب وسألته أن يبيعها لها فامتنع فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها أبو لهب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليها بصلة وبكسوة حتى جاء الخبر أنها ماتت سنة سبع مرجعه من خيبر"..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير