ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ ضمير صرفناه ذهب الجمهور إلى أنه راجع إلى ما ذكر من الدلائل : أي كرّرنا أحوال الإظلال، وذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر في القرآن، وفي سائر الكتب السماوية، ليتفكروا ويعتبروا فأبى أَكْثَرُ النّاس هم إلاّ كفران النعمة وجحدها. وقال آخرون : إنه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر : أي صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة، فنزيد منه في بعض البلدان، وننقص في بعض آخر منها، وقيل الضمير راجع إلى القرآن، وقد جرى ذكره في أوّل السورة حيث قال : تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ [ الفرقان : ١ ]، وقوله : لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذكر بَعْدَ إِذْ جَاءنِي [ الفرقان : ٢٩ ]، وقوله : اتخذوا هذا القرءان مَهْجُوراً [ الفرقان : ٣٠ ] والمعنى : ولقد كرّرنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس ؛ ليذكروا به، ويعتبروا بما فيه، فأبى أكثرهم إِلاَّ كُفُورًا به، وقيل هو راجع إلى الريح، وعلى رجوع الضمير إلى المطر ؛ فقد اختلف في معناه، فقيل ما ذكرناه. وقيل صرفناه بينهم وابلاً وطشاً وطلاً ورذاذاً، وقيل تصريفه تنويع الانتفاع به في الشرب، والسقي والزراعات به والطهارات. قال عكرمة : إن المراد بقوله فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا هو قولهم : في الأنواء مطرنا بنوء كذا. قال النحاس : ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافاً أن الكفر هنا قولهم : مطرنا بنوء كذا. وقرأ عكرمة صرفناه مخففاً، وقرأ الباقون بالتثقيل. وقرأ حمزة، والكسائي : ليذكروا مخففة الذال من الذكر، وقرأ الباقون بالتثقيل من التذكر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل قال : بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس. وأخرج ابن أبي حاتم عنه بلفظ : أَلَمْ تَرَ أنك إذا صليت الفجر كان بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلاً، ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً، فقبض الظلّ. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : مدّ الظلّ ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً قال : دائماً ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً يقول : طلوع الشمس ثُمَّ قبضناه إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً قال : سريعاً. وأخرج أهل السنن، وأحمد، وغيرهم من حديث أبي سعيد قال :" قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة ؟ وهي : بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال :«إن الماء طهور لا ينجسه شيء» وفي إسناد هذا الحديث كلام طويل قد استوفيناه في شرحنا على المنتقى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : ما من عام بأقلّ مطراً من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء، ثم قرأ هذه الآية وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله وجاهدهم بِهِ قال : بالقرآن. وأخرج ابن جرير عنه هُوَ الذي مَرَجَ البحرين يعني خلط أحدهما على الآخر، فليس يفسد العذب المالح، وليس يفسد المالح العذب. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَحِجْراً مَّحْجُوراً يقول : حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن المغيرة قال : سئل عمر بن الخطاب عن نَسَباً وَصِهْراً ، فقال : ما أراكم إلا وقد عرفتم النسب، وأما الصهر : فالأختان والصحابة.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية