ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ

رَفِيقًا} [النساء: ٦٩] وقد مرَّ (١). وقوله: وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج ١١، ١٠] فدل عود الذكر مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة. وذكرنا هذا عند قوله: فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء ٤٦، ١٥٥] (٢). ومثل هذا في هذه السورة قوله: وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان: ٣٨].
٥٠ - قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا أكثر هذه الآية قد ذُكرت في سورة: سبحان، وفسرناها هناك (٣). وفسرت هذه الآية هنا تفسيرًا آخر؛ أي: صرفنا الماء المنزل من السماء سقيًا لهم، وغيثًا، وهو: المطر، مرة لهذه البلدة، ومرة لبلدة أخرى (٤).
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما عام بأكثر مطرًا من عام،

(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلًا... البسيط ١/ ٢٩٩ (تحقيق المحيميد).
(٢) تفسير الآية ٤٦، من سورة النساء مفقود.
وفي تفسير الآية ١٥٥، من سورة النساء أحال الواحدي على الآية ٨٨، من سورة البقرة. قال الواحدي في تفسير آية سورة البقرة: فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٨٨] يريد: فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظ القلة في موضع النفي، فتقول: قل ما رأيت من الرجال مثله، وقلَّ ما تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل. وحكى الكسائي عن العرب: مررت بأرض قل ما تنبت إلا الكُرَّاث والبصل؛ أي: ما تنبت إلا هذين.
(٣) عند قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا [الفرقان: ٥٠].
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣١٤. و"تفسير الهوّاري" ٣/ ٢١٣. واستبعد هذا القول ابن جزي ص ٤٨٦.

صفحة رقم 536

ولكن الله يصرفه في الأرض، ثم قرأ: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ (١). وهذا كما روى ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من سنة بأمطر من أخرى، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حوَّل الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار" (٢).

(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٢. من طريقين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٦، من طريق واحد عنه. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٣٨، وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قال ابن عاشور ١٩/ ٥١: فحصل من هذا أن المقدار الذي تفضل الله به من المطر على هذه الأرض لا تختلف كميته، وإنما يختلف توزيعه. وهذه حقيقة قررها علماء حوادث الجو في القرن الحاضر، فهو من معجزات القرآن العلمية.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٢، مختصرًا، موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه- وليس مرفوعًا، وقد ذكره السمرقندي ٢/ ٤٦٣، مرفوعًا، بنصه، دون إسناد. وأخرجه الثعلبي ١٠٠ أ، بإسناده من طريق إسحاق بن بشر، نا ابن إسحاق، وابن جريج، ومقاتل، كلهم قالوا وبلغوا به ابن مسعود. وهذا إسناد منقطع؛ لأن هؤلاء الثلاثة لم يلقوا ابن مسعود -رضي الله عنه- فابن إسحاق، من الطبقة الخامسة: صغار التابعين، الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد منهم. وابن جريج، من الطبقة السادسة: عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة. ومقاتل بن سليمان، من الطبقة السابعة: طبقة كبار أتباع التابعين كمالك والثوري. مقدمة "تقريب التهذيب" ٨٢. والحديث المنقطع: هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه. "تدريب الراوي" ١/ ٢٠٨. فالأقرب أن يكون موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه- كما هو عند ابن جرير. والله أعلم. قال ابن حجر، في "الكاف الشاف" ٣/ ٢٧٨: وفي الباب عن ابن مسعود، أخرجه العقيلي، من رواية علي بن حميد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عنه. وقال: لا يتابع على رفعه. ثم أخرجه موقوفًا من رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة، وقال: هذا أولى. وهو بنصه، في "الفتح السماوي" ٢/ ٨٨٥. وأصله عند الزيلعي، في تخريجه لأحاديث "الكشاف" ٢/ ٤٦٤.

صفحة رقم 537

وقوله: لِيَذَّكَّرُوا قال مقاتل: ليعتبروا، ويتفكروا في ذلك، فيستدلوا به على التوحيد (١). وقال أبو إسحاق: ليتفكروا في نعم الله علهم فيه، ويحمدونه على ذلك (٢).
وقال أبو علي: ليتفكروا في قدرة الله، وموضع نعمته عليهم بما أحيا بلادهم به من الغيث (٣). ومن قرأ لِيَذَّكَّرُوا هو بالتخفيف (٤) من الذكر، فمعناه: ليذكروا موضع النعمة به فيشكروه.
قوله تعالى: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا قال مقاتل والكلبي: إلا كفرًا بالله وبنعمته (٥).
قال أبو إسحاق: وهم الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا (٦).

(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ أ، بمعناه. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٤: لكي يتعظوا بذلك. ونحوه ذكر الهواري ٣/ ٢١٣، عن الحسن.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧١.
(٣) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٥.
(٤) بالتخفيف قراءة حمزة، والكسائي، والباقون بالتشديد. "السبعة في القراءات" ص٤٦٥، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٥، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٤.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٤.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧١. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠٠ أ. و"تفسير الهواري" ٣/ ٢١٣. ولم ينسبوه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٦، عن عكرمة. ويشهد لهذا حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ "هلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكمْ" قَالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ "أَصْبَحَ من عِبَادي مُؤمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤمِنٌ بِي وَكَافرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأما مَن قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِن بِالْكَؤكَبِ". أخرجه البخاري، في الأذان، رقم ٨٤٦، "فتح الباري" ٢/ ٣٣٣. ومسلم ١/ ٨٣، كتاب =

صفحة رقم 538

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية