ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

قوله : قُلْ مَا يَعْبَؤُ بِكُمْ رَبِّي . قال مجاهد وابن زيد : أي : ما يصنع وما يفعل بكم١. قال أبو عبيدة : يقال : ما عَبَأْت به شيئاً٢، أي : لم أُبَالِهِ، فوجوده وعدمه سواء٣. وقال الزجاج : معناه لا وزن لكم عندي والعبء في اللغة الثقل٤. وقال أبو عمرو بن العلاء : ما يبالي ربكم٥، ويقال : ما عبأت بك، أي : ما اهتممت ولا اكترثت، ويقال : عبأت الجيش وعبأته، أي : هيأته وأعددته٦. قوله :«لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ » جوابها محذوف لدلالة ما تقدم، أي : لولا دعاؤكم ما أعبأ بكم ولا أكترث، و «ما » يجوز أن تكون نافية٧، وهو الظاهر، وقيل : استفهام، بمعنى النفي٨، ولا حاجة إلى التجوز في شيء يصح أن يكون حقيقته بنفسه. و «دُعَاؤُكُمْ » يجوز أن يكون مضافاً للفاعل، أي : لولا تضرّعكم إليه، ويجوز أن يكون مضافاً للمفعول، أي : لولا دعاؤكم إيّاهُ إلى الهدى٩.

فصل


ومعنى هذا الدعاء وجوه :
الأول : لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كما قال تعالى : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين [ العنكبوت : ٦٥ ].
الثاني : لولا شكركم له على إحسانه، لقوله : مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ [ النساء : ١٤٧ ].
الثالث : لولا عبادتكم.
الرابع : لولا إيمانكم١٠.
وقيل المعنى : ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم١١.
وقيل : المعنى : قل ما يعبأ بخلقكم١٢ ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه، يعني أنه خلقكم لعبادته كما قال : وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : ٥٦ ]. قاله ابن عباس ومجاهد١٣. وقيل : معناه ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل الله بعذابكم لولا شرككم كما قال : مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [ النساء : ١٤٧ ].
قوله :«فَقَدْ كَذَّبْتُمْ » أيها الكافرون يخاطب أهل مكة، يعني أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. وقرئ١٤ «فقد كذب الكافرون »١٥ قوله : فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً أي : فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم، وهذا عقاب الآخرة، ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى عليه : إن من عادتي١٦ أن أحسن إلى من يطيعني١٧ فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك١٨.
قوله :«لِزَاماً » قرئ بالفتح١٩ يعني اللزوم٢٠ كالثبات والثبوت٢١.
قال ابن عباس : موتاً٢٢. وقال أبو عبيدة : هلاكاً٢٣. وقال ابن زيد : قتالاً والمعنى : يكون التكذيب لازماً لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقال ابن جريج : عذاباً دائماً لازماً وهلاكاً مُفْنِياً يلحق بعضكم ببعض. قال ابن مسعود وأبيّ بن كعب ومجاهد ومقاتل : هو يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة لازماً لهم٢٤. وقال عبد الله بن مسعود : خمس قد مضين الدخان والقمر واليوم والبطشة واللزام : فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً .
١ انظر البغوي ٦/٢٠٣..
٢ مجاز القرآن ٢/٨٢..
٣ انظر البغوي ٦/٢٠٣..
٤ معاني القرآن وإعرابه ٤/٧٨..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١٦..
٦ انظر اللسان (عبأ)..
٧ انظر الكشاف ٣/١٠٦، البحر المحيط ٦/٥١٧..
٨ قال الفراء: ("ما" استفهام أي: ما يصنع بكم "لولا دعاؤكم" لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام) معاني القرآن ٢/٢٧٥. وانظر المرجعين السابقين..
٩ قال القرطبي: (وليس يبعد أن تكون نافية، لأنك إذا حكمت بأنها استفهام فهو نفي خرج مخرج الاستفهام، كما قال الله تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان القرطبي ١٣/٨٤..
١٠ انظر البحر المحيط ٦/٥١٧..
١١ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١٧..
١٢ المرجع السابق..
١٣ انظر البغوي ٦/٢٠٤..
١٤ وهي قراءة: عبد الله وابن عباس وابن الزبير. انظر المختصر (١٠٥)، البحر المحيط ٦/١٨، وقال أبو حيان: (وهو محمول على أنه تفسير، لا قرآن)..
١٥ انظر الكشاف ٤٣/ ١٠٦، الفخر الرازي ٢٤/١١٧..
١٦ في النسختين: عبادتي. والتصويب من الفخر الرازي..
١٧ في النسختين: يعصيني. والتصويب من الفخر الرازي..
١٨ انظر الفخر الرازي ٢٤/١١٧..
١٩ وهي قراءة المنهال وأبان بن تغلب وأبي السمال. انظر البحر المحيط ٦/٥١٨..
٢٠ وهو مصدر لزم، ففي اللسان (لزم): لزم الشيء يلزمه لزما ولزوما ولازمه ملازمة ولزاما..
٢١ في اللسان (ثبت): ثبت الشيء يثبت ثباتا وثبوتا..
٢٢ انظر البغوي ٦/٢٠٤..
٢٣ مجاز القرآن ٢/٨٢..
٢٤ انظر البغوي ٦/٢٠٤..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية