ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯ

قيمة العباد عند ربهم بقدر عبادتهم
" قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاءكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ".
المناسبة :
قد أفادت الآية السابقة كمال حال عباد الرحمن في نفوسهم وعقولهم، وأخلاقهم، وأعمالهم، وأفادت عظيم منزلتهم عند ربهم، ورفيع ما أعد لهم من درجاتهم، جزاء على صالحاتهم وحسناتهم.
وجاءت هذه الآية تفيد أن ذلك المقام العظيم الذي كان عند ربهم، إنما هو بسبب عبادتهم. وتعلن للناس أن عبادتهم هي الشيء الوحيد، الذي يكون لهم به قدر وقيمة عند ربهم، وبدونها لا يكون لها وزن عند خالقهم، ولا يكونون شيئا يبالى به.
وأن من كذب وخلع بتكذيبه ربقة العباد، فقد حقت عليه كلمة العذاب، وهو واقع به لا محالة.
المفردات :
( ما يعبأ بكم ) : ما يبالي بكم. ( العبء ) : هو الثقل فما عبأت به، بمعنى ما كان له عندي وزن ولا مقدار. وعبأت به : كان له عندي وزن ومقدار وعدي بالباء لأنه ما بليت.
( دعاؤكم ) : عبادتكم من إطلاق الجزء على الكل.
( كذبتم ) : كفرتم فلم تعبدوا.
( لزاما ) : ملازما، وأصل اللزام مصدر لازم واختير هنا للتنبيه على أن بين المكذبين والعذاب ملازمة من الطرفين : فهم بتكذيبهم قد ألزموا أنفسهم العذاب فلازمهم العذاب.
التراكيب :
جواب ( لولا ) محذوف لدلالة ما تقدم، وتقدير الكلام : لولا دعاؤكم ما عبأ بكم. وجملة ( فقد كذبتم ) واقعة موقع التعليل لكلام مقدر تقديره – والله أعلم(١) – لا يعبأ بكم فقد كذبتم، أي لأنكم قد كذبتم، فالفاء تعليلية.
وأما جملة ( فسوف يكون ) فمتسببة عما قبلها، فالفاء فيها سببية. وضمير يكون عائد على العذاب المفهوم من المقام.
المعنى :
قل للذين أرسلت إليهم : ما يبالي بكم ربي، و لا يعبأ بكم، ولا يكون لكم عنده وزن، لولا إيمانكم وعبادتكم.
فإذا كذبتم وكفرتم، فهو لا يعبأ بكم، وسوف يكون العذاب ملازما لكم بسبب تكذيبكم.
تحرير في المخاطب :
المخاطبون هم الذين كذبوا، ثم إن ما لحقهم بسبب التكذيب من العذاب الملازم فهو خاص بهم، وبالمكذبين أمثالهم. وما كان موجها لهم من جهة أنهم عباد – وهو أن الله لا يعبأ بهم لولا دعاؤهم – فهو عالم لجميع العباد لماثلتهم لهم في العبودية لله، واستغناء الله عنهم، وفرض العبادة عليهم، وعدم التقدير لهم إلا بها.
تفسير أثري :
أخرج البخاري في كتاب التفسير، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :
" خمس قد مضين(٢) الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام ".
ورواه في مواضع أخرى من صحيحه.
وعني بالدخان المذكور، في قوله تعالى :" يوم تأتي السماء بدخان مبين " (٣)
وبالقمر المذكور في قوله تعالى :" وانشق القمر " (٤).
وبالبطشة المذكورة، في :" يوم نبطش البطشة الكبرى(٥).
وباللزام المذكور في هذه الآية.
وفسر ابن مسعود : البطشة الكبرى بيوم بدر، وفسر اللزام به أيضا.
فهي في الحقيقة أربع وعدها خمسا باعتبار الوصفين البطش والملازمة.
وفسر الحسن اللزام : بعذاب يوم القيامة.
ومن عادة السلف أنهم يفسرون اللفظ بما يدخل في عمومه دون قصد للقصر عليه. ولا منافاة حينئذ بين التفسيرين، فيكونون قد توعدوا على تكذيبهم بلزوم عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
ترهيب :
رتب لزوم العذاب على التكذيب، فأعظم الأكمل التكذيب، وهو تكذيب الكفر. ثم أصناف العذاب لازمة، لتكذيب العصيان بالعدل والحكمة في التقسيم والترتيب.
استنباط :
لما كانت مقادير العباد عند ربهم بحسب عبادتهم، فالأنبياء – عليهم السلام – أعلى الناس منزلة عند الله هم أعظم عبادة الله، هم أتقاهم له وأشدهم خشية منه. وقد قال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فيما رواه مالك وغيره.
" والله إني أرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقى ".
وقال أيضا :" والله إني لأتقاكم له، وأعلمكم بحدوده ".
سؤال استطرادي وجوابه :
كيف يخشى وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟
أجاب العلماء عن هذا بأجوبة :
١ – منها أنه لا يخشى العقاب، ولكنه يخشى العتاب.
٢- ومنها قول الأكثر – أنه غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، بشرط امتثاله لما أمر به.
ذكر هذين ابن العربي في " القبس ".
٣- ومنها أنها خشية الإجلال، ومشاهدة عظمة الربوبية، وأنه لا يجب عليه تعالى شيء.
وهذان الحديثان الصحيحان من الأدلة الصريحة عند أهل العلم، على أن العبادة الشرعية الإسلامية لا تتجرد من الخوف، حتى عبادة أفضل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين.
تعليل :
الإنسان نوراني وظلماني :
الإنسان مهيأ للكمال بما فيه من الجزء النوراني العلوي، وهو روحه.
ومعرض للسقوط بما فيه من أخلاط عناصر جزئه الأرضي الظلماني، وهو جسده.
ولا يخلص من كدرات جثمانه، ولا ينجو من أسباب نقصانه إلا بعبادة ربه، التي بها صفاء عقله، وزكاء نفسه، وطهارة بدنه في ظاهره وباطنه.
فبعبادة ربه يكمل فيرقى في مراتب الكمال، ويدنو من الملأ الأعلى، عند الرب الأعلى ذى الجلال والإكرام(٦).
فاله طيب لا يقبل إلا الطيب، وإليه يصعد الكلم الطيب، و لا طيب و لا كمال إلا للعابدين، فلا قيمة ولا قبول لغيرهم عند رب العالمين.
إرشاد وتحذير :
قد بين لك الطريق الذي يوصلك إلى مولاك، ويرقيك في مراتب كمالك وعلاك، وما هو إلا عبادة ربك ؛ فكن عبدا له في اختيارك واضطرارك وفي جميع أحوالك.
واحذر أن تعتمد على شيء غير عبادته.
واحذر أن تتوجه بشيء من عبادتك لغيره.
ومن عبادتك – بل هو مخ عبادتك – دعاؤك وسؤالك واستعانتك.
فإياك إياك أن تتوجه منه بشيء لغيره فكن دائما عبدا لله. وكن دائما عبدا له وحده، فذلك حقه عليك، وذلك السبب الوحيد الذي ينجيك ويعليك(٧).
والله نسأل : أن يقصرنا على عبادته، ويديمنا على الإخلاص في التوجه إليه، حتى نلقاه على ملة الإسلام، وهدى عباده الصالحين، آمين يا رب العالمين.

١ من أمانة العلماء التفويض إلى الله..
٢ من علامات الساعة..
٣ سورة الدخان، الآية: ١٠.
٤ أول سورة القمر..
٥ سورة الدخان الآية : ١١.
٦ والمؤمن مطالب بأن يتخلق بأخلاق الرب وصفاته. ولا يطلب منه الإسلام أن يكون ملاكا، كما لا يرضى له أن ينحط إلى درك الحيوانية..
٧ من ثبات الإمام واعتماده على ربه: أنه عبأ الأمة الجزائرية في مؤتمر إسلامي لمطالبة فرنسا سنة ١٩٣٦ م بالحرية والاستقلال فقال له الوزير الفرنسي: إن لدى فرنسا مدافع طويلة فقال بن باديس، ولدى الجزائر مدافع أطول! إنها مدافع الله!فبهت الوزير الفرنسي..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير