ولما ذكر الله أنّ السماح بما تضنّ النفوس به من فضول الأموال من أمارات الإيمان أتبعه أنّ خزن ما تبذله الأنفس من فضول الأقوال من علامات العرفان بقوله تعالى : وإذا سمعوا اللغو أي : ما لا ينفع في دين ولا دنيا من شتم وتكذيب وتعيير ونحوه أعرضوا عنه تكرّماً عن الخنا، وقيل اللغو : القبيح من القول ؛ وذلك أنّ المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون لهم تباً لكم تركتم دينكم فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم وقالوا وعظاً وتسميعاً لقائله لنا خاصة أعمالنا لا تثابون على شيء منها ولا تعاقبون ولكم أي : خاصة أعمالكم لا نطالب بشيء منها فنحن لا نشتغل بالرد عليكم سلام عليكم متاركة لهم وتوديعاً ودعاء لهم بالسلامة عما هم فيه، لا سلام تحية وإكرام، ونظير ذلك وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ( الفرقان، ٦٣ ) ثم أكد ذلك تعالى بقوله تعالى : حاكياً عنهم لا نبتغي أي : لا نكلف أنفسنا أن نطلب الجاهلين أي : لا نريد شيئاً من أموالهم وأقوالهم أو غير ذلك من خلالهم، وقيل لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه قيل نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأنّ ترك المسافهة مندوب إليه وإن كان القتال واجباً.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني