ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

مضت قصة موسى - عليه السلام - بدلالاتها التي وضحت في الدرس الماضي. فأما في هذا الدرس فتبدأ التعقيبات عليها ؛ ثم يمضي السياق في طريقه على محور السورة الأصيل، يبين أين يكون الأمن وأين تكون المخافة ؛ ويجول مع المشركين الذين يواجهون دعوة الإسلام بالشرك والإنكار والمعاذير. يجول معهم جولات شتى في مشاهد الكون، وفي مشاهد الحشر، وفيما هم فيه من الأمر ؛ بعد أن يعرض عليهم دلائل الصدق فيما جاءهم به رسولهم [ صلى الله عليه وسلم ] وكيف يتلقاه فريق من أهل الكتاب بالإيمان واليقين بينما هم يتلقونه بالكفران والجحود. وهو رحمة لهم من العذاب، لو أنهم كانوا يتذكرون.
وصفة أخرى من صفة النفوس المؤمنة الصابرة على الإسلام الخالصة للعقيدة :
وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. سلام عليكم لانبتغي الجاهلين..
واللغو فارغ الحديث، الذي لا طائل تحته، ولا حاصل وراءه. وهو الهذر الذي يقتل الوقت دون أن يضيف إلى القلب أو العقل زادا جديدا، ولا معرفة مفيدة. وهو البذيء من القول الذي يفسد الحس واللسان، سواء : أوجه إلى مخاطب أم حكي عن غائب.
والقلوب المؤمنة لا تلغو ذلك اللغو، ولا تستمع إلى ذاك الهذر، ولا تعنى بهذا البذاء. فهي مشغولة بتكاليف الإيمان، مرتفعة بأشواقه، متطهرة بنوره :
( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه )..
ولكنهم لا يهتاجون ولا يغتاظون ولا يجارون أهل اللغو فيردون عليهم بمثله، ولا يدخلون معهم في جدل حوله، لأن الجدل مع أهل اللغو لغو ؛ إنما يتركونهم في موادعة وسلام.
( وقالوا : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. سلام عليكم )..
هكذا في أدب، وفي دعاء بالخير، وفي رغبة في الهداية.. مع عدم الرغبة في المشاركة :
( لا نبتغي الجاهلين )..
ولا نريد أن ننفق معهم وقتنا الثمين، ولا أن نجاريهم في لغوهم أو نسمع إليه صامتين !.
إنها صورة وضيئة للنفس المؤمنة المطمئنة إلى إيمانها. تفيض بالترفع عن اللغو. كما تفيض بالسماحة والود. وترسم لمن يريد أن يتأدب بأدب الله طريقه واضحا لا لبس فيه. فلا مشاركة للجهال، ولا مخاصمة لهم، ولا موجدة عليهم، ولا ضيق بهم. إنما هو الترفع والسماحة وحب الخير حتى للجارم المسيء.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير