وإذا سمعوا اللغْوَ ؛ الباطل، أو الشتم من المشركين، أعْرضوا عنه وقالوا للاغين : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم ؛ أمان منا عليكم، لا نقابل لغوكم بمثله، لا نبتغي الجاهلين ؛ لا نريد مخالطتهم وصحبتهم، أو : لا نبتغي دين الجاهلين، أو محاورة الجاهلين وجدالهم، أو : لا نريد أن نكون جهالاً.
وفي السَير : أن أصحاب النجاشي لَمَّا كلمهم جعفر رضي الله عنه في مجمع النجاشي، بَكَوْا، ووقر الإسلام في قلوبهم، فقدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقرأ عليهم القرآن، فأسلموا، وقالوا : آمنا به إنه الحق من ربنا. . الآية. فلما خرجوا من عنده صلى الله عليه وسلم ؛ استقبلتهم قريش فسبوهم، وقالوا : ما رأينا قوماً أحمق منكم، تركتم دينكم لمجلس ساعة مع هذا الرجل، فقالوا لهم : سلام عليكم. . . إلخ.
الإشارة : مَنْ تَحَمَّلَ من العلماء مشقة تَحَمُّلِ العلمِ الظاهر، ثم ركب أهواء النفس ومحاربتَها في تحصيل العلم الباطن، فهو ممن يُؤتى أجره مرتين، وينال عز الدارين ضعفين ؛ بسبب صبره على العِلْمَيْن، وارتكاب الذل مرتين، إذا اتصف بما اتصف به أولئك، بحيث يدرأ بالحسنة السيئة، وينفق مما رزقه الله من الحس والمعنى، كالعلوم والمواهب، ويعرض عن اللغو - وهو كل ما يشغل عن شهود الله - ويحلم عن الجاهل، ويرفق بالسائل. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي