[ الآية ٦٣ ] وقوله تعالى : قال الذين حق عليهم القول يحتمل قوله : حق عليهم القول القول الذي قال : لأملأن جهنم منكم أجمعين [ الأعراف : ١٨ ].
وجائز أن يكون قوله : حق عليهم القول أي وجب عليهم العذاب كقوله : وإذا وقع القول عليهم [ النمل : ٨٢ ] أي وجب عليهم وكقوله : ووقع القول عليهم بما ظلموا [ النمل : ٨٥ ] أي وجب العذاب عليهم بما ظلموا، ونحوه.
ثم اختلف في الذين حق عليهم القول : فمنهم من يقول : هم رؤساء الكفرة وأئمتهم الذين أضلوا أتباعهم، ودعوهم إلى الضلال. ومنهم من يقول : هم شياطين الجن. وللفريقين جميعا في الكتاب ذكر :
قال في أئمتهم : إذ تبرأ الذين من الذين اتبعوا [ البقرة : ١٦٦ ] وقال : قال أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا [ الأعراف : ٣٨ ] وأمثال هذا كثير.
وقال في شياطين الجن : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقبض له شيطانا فهو له قرين [ الزخرف : ٣٦ ] وقال : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم الآية [ الصافات : ٢٢ ] ونحوه كثير أيضا.
وقوله تعالى : ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا يعتذرون : أنه لم يكن منا إليهم إلا الدعاء والإشارة إلى الغواية، وهو قول إبليس اللعين وخطبته يومئذ حين(١) قال : وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق الآية [ إبراهيم : ٢٢ ].
فعلى ذلك هؤلاء يقولون : لم يكن منا عليهم سوى الدعاء بلا برهان ولا حجة، فاتبعونا، فلا تلومونا، ولوموا أنفسكم حين(٢) تركتم إجابة الرسل، ومعهم براهين وحجج، وأجبتمونا بلا حجة ولا برهان، فأغويناكم كما غوينا، ولو كنا على الهدى لهديناكم، كقولهم : لو هدانا الله لهديناكم [ إبراهيم : ٢١ ].
وقوله تعالى : تبرأنا إليك ما كانا إيانا يعبدون يتبرؤون : أنا لم نأمرهم بالعبادة لنا، وإلا كانوا عبدونا(٣).
ثم إن للمعتزلة أدنى تعلق بهذه الآية لأنهم يقولون : إنما أضافوا الغواية إلى أنفسهم حين(٤) قالوا : أغوينا أغويناهم كما غوينا دل أن الله لا يغوي أبدا.
فيقال لهم : إنا لا نضيف، ولا نجيز إضافة الغواية إلى الله في ما يخرج مخرج الذم، وإنما نضيف في ما يخرج مخرج المدح له والثناء عليهم.
ثم قد أضاف إبليس الغواية إليه، ولم ينكر عليه حين(٥) قال : رب بما أغويتني [ الأعراف : ١٦ والحجر : ٣٩ ] في غير موضع، وقال : تضل بها من تشاء [ الأعراف : ١٥٥ ] ونحوه كثير في القرآن. فما خرج مخرج المدح له والثناء عليه يضاف إليه، وما خرج مخرج الذم فلا. وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله أعلم.
وقوله تعالى : حق عليهم القول يوم قال لإبليس : لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين [ ص : ٨٥ ]. ثم قالت الشياطين في الآخرة : ربنا هؤلاء الذين أغوينا يعنون كفار بني آدم ؛ هؤلاء الذين أضللناهم هن الهدى كما ضللنا تبرأنا إليك منهم يا رب ما كانوا إيانا يعبدون تبرأت الشياطين ممن كان يعبدها فقالوا : لم نأمرهم بعبادتنا.
٢ - في الأصل وم: حيث..
٣ - في الأصل وم: عبدوهم..
٤ - في الأصل وم: حيث..
٥ - في الأصل وم: حيث..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم