ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب .
لاتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : أحدها مبني على القول بأن بضعا وثمانين آية من أول هذه السورة نزلت في وفد نصارى نجران. وروى أصحاب السير أن هذا الوفد كان ستين راكبا وأنهم دخلوا المسجد النبوي وعليهم ثياب الحبرات١ وأردية الحرير وفي أصابعهم خواتم الذهب وطفقوا يصلون صلاتهم فأراد الناس منعهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " دعوهم " ثم عرضوا هديتهم عليه وهي بسط فيها تصاوير ومسوح فقبل المسوح دون البسط. ولما رأى فقراء المسلمين ما على هؤلاء من الزينة تشوفت نفوسهم إلى الدنيا فنزلت الآية. كذا قال بعضهم وهو يذكره أهل السير ولا يخفى ضعفه.
قال الأستاذ الإمام : إن رئيس وفد نجران ذكر في حديثه مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه يمنعه من الاعتراف بأنه هو النبي المبشر به وبصدقه أن هرقل ملك الروم أكرم مثواه ومتعه وانه يسلبه ما أعطاه من مال وجاه إذا هو آمن. فبين تعالى أن ما زين للناس من حب الشهوات حتى صرفهم عن الحق لا خير فيه.
وقال الإمام الرازي : إنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلى الله عليه وسلم في قوله، إلا أنه لا يقر بذلك خوفا من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه. قال : وروينا انه عليه الصلاة والسلام لما دعوا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح فبين في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا باطلة وان الآخرة خير وأبقى. اه.
ومنها ما هو مبني على أن الآيات نزلت في تقرير أمر التوحيد وما يتبعه. والاتصال على هذا الوجه أظهر، فإنه بعد ما بين أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم التي أعرضوا عن الحق لأجلها، بيَّن وجه غرورهم بها للتحذير من جعلها آلة للغرور وترك الحق، وللتذكير بأنه لا ينبغي أن تشغل الإنسان عن الآخرة.
ومنها وهو المختار عند الأستاذ الإمام أنه لما كان الكلام السابق يتضمن وعيد الكافرين جاء بعده بوعد المتقين وجعل له مقدمة بين فيها جميع أصول اللذات التي يتمتع بها الناس بحسب غرائزهم تمهيدا لتعظيم شان ما بعدها من أمر الآخرة. أقول : يعني انه ليس المراد ذمها والتنفير عنها، وإنما المراد التحذير من أن تجعل هي غاية الحياة.
والناس في قوله تعالى : زين للناس حب الشهوات هم المكلفون لأن الكلام في إرشادهم، فلا معنى للبحث في الأطفال هنا. والشهوات جمع شهوة وهي انفعال النفس بالشعور بالحاجة إلى ما تستلذه. والمراد بها هنا المشتهيات على طريق المبالغة. وهي شائعة الاستعمال، يقال : هذا الطعام شهوة فلان أي مشتهاه. ومعنى تزيين حبها لهم أن حبها مستحسن عندهم لا يرون فيه شيئا ( قبحا ) ولا غضاضة، وقد يحب الإنسان الشيء وهو يراه من الشين لا من الزين ومن الضار لا من النافع، ويود لذلك لو لم يكن يحبه. ومثل لذلك الإمام الرازي بحب المسلم لبعض المحرمات، ومثل له الأستاذ الإمام بحب بعض الناس للدخان على تأذيه منه. فكل من هذين المحبين يود لو انقلب حبه كرها وبغضا، ومن أحب شيئا ولم يزين له يوشك أن يرجع عن حبه يوما وأما من زين له حبه لشيء فلا يكاد يرجع عنه لأن ذلك منتهى الحب وصاحبه لا يكاد يفطن لقبحه وضرره إن كان قبيحا أو ضارا ولا يحب أن يرجع وإن تأذى به. قال المجنون :
وقالوا لو تشاء سلوت عنها *** فقلت لهم : وإني لا أشاء
ولذلك قال تعالى : أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم [ محمد : ١٤ ] وقد اختلف المفسرون في إسناد التزيين في هذا المقام فأسنده بعضهم إلى الشيطان، لأن حب الشهوات مذموم لا سيما وقد أطلقت هنا فدخل فيها المحرمات في رأيهم، ولأن حب كثرة المال مذموم في الدين بحسب فهمهم له، ولأنه سمى ذلك متاع الحياة الدنيا وهي مذمومة عندهم، ولأنه فضل عليه ما أعده للمتقين يوم القيامة. ويؤثر هذا الإسناد عن الحسن البصري. وأسنده بعضهم إلى الله تعالى لأنه تعالى أباح الزينة والطيبات وأنكر على من حرم ذلك بقوله : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ؟ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة [ الأعراف : ٣٢ ] فجعل إباحتها في الدنيا غير منافية لنيلها في الآخرة، ولأنها قد تكون وسائل للآخرة بتكثير النسل وكثرة الصدقات والميراث والجهاد.
وعزي هذا القول إلى المعتزلة. وقال بعض المعتزلة بالتفصيل، فقسم الشهوات إلى محمودة ومذمومة أو مباحة ومحرمة. وقال إن الله زين القسم الأول والشيطان زين القسم الثاني.
أقول : وغفل الجميع عن كون الكلام في طبيعة البشر وبيان حقيقة الأمر في نفسه لا في جزئياته وأفراد وقائعه. فالمراد أن الله تعالى أنشأ الناس على هذا وفطرهم عليه. ومثل هذا لا يجوز إسناده إلى الشيطان بحال، وإنما يسند إليه ما قد يعد هو من أسبابه كالوسوسة التي تزين للإنسان عملا قبيحا. ولذلك لم يسند إليه القرآن إلا تزيين الأعمال قال تعالى : وإذا زين لهم الشيطان أعمالهم [ الأنفال : ٤٨ ] الآية وقال : وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون [ الأنعام : ٤٣ ] وأما الحقائق وطبائع الأشياء فلا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له. قال عز وجل : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [ الكهف : ٧ ] وقال : كذلك زينا لكل أمة عملهم [ الأنعام : ١٠٨ ] فالكلام في الأمم كلام في طبائع الاجتماع وفي هذا المعنى آيات أخرى.
ثم بين المشتهيات التي يحبها الناس وحبها مزين لهم وله مكانة من نفوسهم بقوله : من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث فهذه ستة أنواع :
( أولها ) : النساء وحبهن لا يعلوه حب لشيء آخر من متاع الحياة الدنيا. فهن مطمح النظر وموضع الرغبة وسكن النفس ومنتهى الأنس، وعليهن ينفق أكثر ما يكسب الرجال في كدهم وكدحهم فكم افتقر في حبهن غني ؟ وكم استغنى بالسعي للحظوة عندهن فقير ؟ وكم ذل بعشقهن عزيز ؟ وكم ارتفع في طلب قربهن وضيع ؟ ولعل في القارئين من يحب أن يعرف كيف يغنى الفقير ويرتفع الوضيع بسبب حب النساء إذا كان لا يوجد فيهم من يحتاج إلى معرفة كيف يذل العاشق ويفتقر فنقول : إن من يحب ذات شرف ورفعة ويرى أنه لا سبيل إلى الاقتران بها إلا بتحصيل المال وتسنم غارب المعالي يوجه جميع قواه إلى ذلك ولا يزال به حتى يناله. ولم يذكر حب النساء للرجال على أن حبهن لهم من نوع حبهم لهن ولكن الحب لا يبرح بالنساء تبريحه بالرجال. فالمرأة أقدر على ضبط حبها وكتمانه وضبط نفسها وحفظ مالها، وإنك لتسمع بأخبار المئين والألوف من الرجال الذين افتقروا أو احتقروا أو جنوا في حب النساء ولا تجد في مقابلتهم عشر نسوة قد منين بمثل ذلك في الرجال.
ثم إن الرجال هم القوامون على النساء لقوتهم وقدرتهم على الحماية والمكسب فإسرافهم في الحب واستهتارهم في العشق له الأثر العظيم في شؤون الأمة وفي إضاعة الحق أو حفظه. فإن قيل : إن حب الولد أشد من حب المرأة فلماذا قدم ذكر النساء ؟ أقول إن الأمر ليس كذلك فإن حب الولد وإن كان لا يزول وحب المرأة قد يزول لا يعظم فيه الغلو والإسراف كحبها، وكم من رجل جنى عشقه للمرأة على أولاده حتى أن كثيرا من الرجال الذين تزوجوا بأكثر من امرأة فعشقوا واحدة وملوا أخرى قد أهملوا تربية أولاد المملولة وحرموهم الرزق من حيث أفاضوا نصيبهم على أولاد المحبوبة. وهذا من أسباب تحريم التزويج بأكثر من واحدة على من يخاف أن لا يعدل، فكيف بمن يوقن بذلك ويعزم عليه ؟ وكم من غني عزيز يعيش أولاده عيشة الفقراء الأذلاء لعشق والدهم لغير أمهم من نسائه وإن ماتت أمهم ولم يكن للمعشوقة ولد وما هو إلا محض التقرب وابتغاء الزلفى إلى المرأة.
أما السبب في كون حب الرجل للمرأة أقوى من حبها له فهو أن السبب الطبيعي لهذا الحب هو داعية النسل لا قصده، والداعية في الرجل أقوى وأش. ولذلك تراه يشغل بها إذا بلغ سنا أكثر من المرأة على كثرة شواغله الصارفة له عن ذلك وهو هو الذي يطلب المرأة ويبذل جهده وماله في سبيلها موطنا نفسه على أن يمونها ويصونها ويتحمل أثقالها طول الحياة وما عليها هي إلا القبول. فإن طلبت أجملت في الطلب. وإن شئت دليلا آخر على أن داعية النسل فيه أقوى، فتأمل تجده مستعدا لها في كل حال طول عمره والمرأة تفقد هذا الاستعداد في زمن الحيض وبعد سن اليأس من الحيض الذي يكون غالبا من سن الخمسين إلى الخامسة والخمسين. فإذا قبلت المرأة الرجل بعد هذا كان قبولها إياه من باب التودد والعتبى، أو إثارة الذكرى ولا يدخل في السبب ما هو عند أكثر الرجال من كون النساء أوفر نصيبا من الحسن، وقسما من القسامة والجمال، فإن هذه القضية المسلمة غير صحيحة، فإن الرجال أكمل وأجمل خلقا كما هي القاعدة في سائر الحيوان، إذ نرى أن خلقة الذكر منها أجمل وأكمل من خلقة الأنثى، وكما نراه في الشيوخ والعجائز من الناس، بل نرى الأبيض القوقاسي يفضل خلقة رجال الزنوج على نسائهم لأنه قلما يشتهي الزنجيات في حال الاعتدال، فمعظم حسن المرأة وجمالها إنما جاء من زيادة حب الرجل إياها.
فمن تأمل هذه المعاني والفروق في حب كل من الزوجين للآخر يسهل عليه أن يقول إن المراد بحب النساء حب الزوجية الذي يكون بين المرأة والرجل وذكر أقوى طرفيه لأن قصد التمتع فيه أظهر، وأثره في الصرف عن الحق أو الاشتغال عن الآخرة أقوى، وطوى الطرف الثاني، وفعل مثل ذلك في النوع الثاني من الحب المزين للناس وهو حب الولد، فكان في الآية احتباكا. وليس عندي في هذه المسألة بل ولا في الآية شيء عن الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى إلا ما سيأتي في حب الولد.
( النوع الثاني ) حب البنين : أي الأولاد، فاكتفى بذكر ما كان حبه أقوى والفتنة به أعظم على طريق التغليب أو لدلالة ما حذف فيما قبله كدلالته هو على ما حذف مما قبله على طريق الاحتباك أو شبه الاحتباك، وأخر في الذكر عن حب النساء لما تقدم ولتأخره في الوجود إذ الأولاد من النساء. قلنا إن العلة الطبيعية لحب النساء أو الأزواج هي داعية النسل، فهذه الداعية تحدث في النفس انفعالا يحفز صاحبه إلى الزواج. وأما حب الأولاد فيكاد يكون كحب النفس لا علة له غير ذاته إلا أن نقول إن عاطفة رحمة الوالدين بالولد منذ يولد هي غير عاطفة حبها له وهي علته. ولكن حكمة الخالق في حب الزوجية وحب الولد واحدة وهي تسلسل النسل وبقاء النوع وهي حكمة مطردة في غير الناس من الأحياء. هذا هو حب الولد من حيث هو ولد. وقد يكون للولد محبات أخرى في قلوب الوالدين كحب الأمل في نصرته ومعونته وحب الاعتزاز به وهذا مما يشارك الأولاد فيه غيرهم وإن كان يكون فيهم أقوى لأن وجوه المحبة إذا تعددت يغذي بعضها بعضا، وحب الولد من حيث هو ولد يظهر في وقت ذهاب الأمل في فائدته بأشد مما يظهر مع الأمل فيها، كحال الصغر والمرض. وقد قيل لبعض أصحاب الفطرة السليمة : أي ولدك أحب إليك ؟ فقال صغيرهم حتى يكبر، وغائبهم حتى يحضر، ومريضهم حتى يبرأ.
أما كون حب البنين أقوى والتمتع به أعظم فله أسباب ( منها ) ا

١ الحبرات جمع حبرة كعنبة وهي ثوب مخطط. ونجران بلد على سبع مراحل من مكة من جهة اليمن..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير