ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦:ومما يستلفت النظر في الثمن الأول من هذه السورة قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء .
وقوله تعالى رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وقوله تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ( ١٤ ) . وسنعالج موضوع هذه الآيات الكريمة في أول مناسبة قادمة، عندما نواجه آيات أخرى تأتي تكميلا لها، أو تكون من نوعها وفي نفس موضوعها بحول الله وقوته، وبالله التوفيق.



جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فهاهنا نجد القرآن الكريم يسجل حقيقة طبيعية فطر الله عليها البشر، ألا وهي حبهم للشهوات وميلهم إليها، فهذه غريزة غرزها الله في طبع الإنسان، إغراء له، من جهة، على تحقيق المخطط الإلهي الحكيم، ودفعا له، من جهة أخرى، إلى إبراز شخصيته المتميزة الخاصة على وجه سليم، وبذلك لا يتنكر الإسلام لشهوات الإنسان المجبول على حبها، ولا يزدريها فضلا عن أن يطاردها، وإنما يتدخل الإسلام لإحاطتها بما يلزم لها من التهذيب، حتى لا تكون شهوات وحشية، وبما يلزم لها من الضبط، حتى لا تبقى شهوات فوضوية.
وهذه الشهوات القوية في نفس الإنسان العادي هي شهوة النساء اللاتي يوفرن لأزواجهن جوا من المودة والرحمة والاستقرار.
وشهوة البنين الذين هم زينة البيوت، وعصارة الأعصاب، ولباب الجهود، وثمرة الحياة بالنسبة للوالدين، والخلف الصالح، والذكرى الطيبة التي تبقى من بعدهما شاهدا ناطقا على مرورهما بموكب الأحياء.
وشهوة المال الذي هو أكبر وسيلة لقضاء الحاجات، وستر العورات، وتوفير أنواع الشهوات بما فيها شهوة البر وإسداء المعروف وعمل الخير، وهاهنا وقع اختيار التعبير القرآني على كلمة ( القناطير المقنطرة ) إشارة إلى أن النهم إلى المال لا يقف في الإنسان العادي عند حد، مادام هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى جميع الشهوات، ومادامت الشهوات كلها تتوقف عليه، ولا تتم إلا عن طريقه بدءا وختاما.
ثم شهوة الخيل المسومة التي تستهوي ما لا يحصى من البشر في مختلف العصور، والتي احتفظت بقوة إغرائها وجاذبيتها حتى بين أرقى الأمم وأكثرها حضارة وغنى، فضلا عما دونها، فتقام لها الملاعب، وتنظم لها أسواق الرهان، ويبذل فيها من الأموال الطائلة ربحا وخسارة ما تسير بذكره الركبان.
وشهوة الأنعام والحرث المتلازمين ملازمة الظل لصاحبه، فهذه الشهوة ترضي من حاجات الإنسان وغرائزه ما لا يتصور بدونه وجود ولا نماء، بل أن قوام حياته متوقف عليها كل التوقف ومرتبط بها كل الارتباط.
وقد عبر كتاب الله عن هذه الشهوات جميعا بأنها متاع الحياة الدنيا . وإذن فلا متاع في هذه الحياة دون الحصول على القدر الضروري والحد الأدنى منها، وإذن فلا حرج في حصول الإنسان على متاعه الضروري منها كما قال تعالى : وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا .
وكل ما هنالك أن الله تعالى الذي خلق لعباده ما في الأرض جميعا، ودعاهم إلى تناول الطيبات من الرزق يعرض على المؤمنين من عباده أنواعا ألذ وأبقى، وأدوم وأخلد، من شهوات الدنيا جميعا، ويعلمهم أن في استطاعتهم أن يستمتعوا بها أيضا في الحياة الآخرة، إذا ما أعدوا أنفسهم لها، ولم يقصروا اهتمامهم على شهوات الحياة الدنيا وحدها، فانهمكوا فيها وتهالكوا عليها دون حساب، وهذا هو معنى قوله تعالى وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ .

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير