وقوله (لِأُولِي الْأَبْصَارِ) فإنه يعني به البصائر لا الجارحة
المذكورة في قوله عز وجل: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ)
ويعني أن في ذلك اعتبارًا للذين هم بخلاف من وصفهم بقوله:
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)...
قوله عز وجل: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤).
القنطرة من المال مقدار تُعبر به الحياةُ تشبيهًا بالقنطرة.
وذلك غير محدود القدر في نفسِه، وإنما هو بحسب الإِضافةِ
كالغِنَى، فربَّ إنسان يستغنى بالقليل وآخر لِا يستغنى بالكثير،
ولما قلنا اختلفوا في حده فقيل: هي أربعون أوقية، وقال
الحسن: ألف ومائتا دينار، وقيل: مِلْءُ مَسْكِ ثورٍ ذهبا،
وعلى ذلك عن ابن عباس، وبعضهم: حدّه يتغير كاختلافهم في حدِّ الغِنَى.
كقولهم: درا هم مدرهمة، ودنانير مُدَنرة، (وَالْخَيْلِ) في
الأصل للأفراس والفرسان، وإن كان يستعمل في كل واحد
مفردا، نحو: "يا خيل الله اركبي "، وذلك للفرسان، وقول
النبي - ﷺ -: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق "، فكأنه سُمي بذلك لما فيه من الخيلاء، فقد قيل: لا يركب أحدٌ فرسًا إلا
رأى في نفسه خُيَلاءَ، وأصل ذلك من خلتُ، وهو ظن يَقْرب
من الكذبِ، ومنه الخيال. والأخيل: الشَقِراقُ، لكونه
متلونًا يخال في كل وقت أن له لونًا آخر، ولذلك قيل:
كأبي براقِش كل لَوْ... نٍ لونه يتخيلُ
و (الْمُسَوَّمَةِ) المرسلة في الرعي، وقيل: المُعلَّمة في
الحرب، يقال: سمي بالقصر وسيمياء بالمدّ، قال تعالى:
(سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ)، قال الشاعر:
........................ له سيمياء لا تَشُقُّ على البصرِ
وقال مجاهد: المسومة: المطهمة.
كأنه جعل التضمير لها تسويمًا، كما جُعل (سنّاً) و (صنعًا)
في قولهم: (مسنونة) و (مصنوعة).
والنعم أصل الإِبل.
فإذا قيل: الأنعام. فقد يتناول الأزواج الثمانية.
والشهوة تُقال تارة للقوة المشتهية، نحو فلان خامد الشهوة.
وتارة لانبعاث تلك القوة، وتارة للطعام المشتهى.
فيقال هذا شهوتي، واختُلف في هذا الحب مَنِ الذي زيّنه؟
مع أنه لا خلاف أنّ الله عز وجل خالقُ القوةِ المشتهية.
وخالقُ المشتهى.
فقال بعضهم: الله عزّ وجل زينه.
وذلك لنظره إلى القوة المشتهية أو المشتهى.
ولقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) وإليه ذهب عمر
فإنه روي أنه لما سمع هذه الآية قال: ربنا إنك زينت هذه
وبيّنت أن ما بعدها خير منها، فاجعل لعمر وآل عمر الذي هو
خير منها، وقال بعضهم: زيّنها الشيطان، وإلى هذا ذهب
الحسن، فيقول: كيف زينها الله وهو يذمها؟
ومنهم من قال: زيّن الله منها ما يحسن تناوله، وزين الشيطان ما يقبح، فإن الله عز وجل خلق الإِنسان وقوته المشتهية ومشتهياته وأُمر أن
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار