ثم ذكر الحق تعالى علة انهزام من انهزم، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
يقول الحقّ جلّ جلاله : إن الذين تولوا منكم وانهزموا يوم أحد ؛ يوم التقى الجمعان جمع المسلمين وجمع الكفار إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان استزلهم ، أي : طلب زللهم فأطاعوه، أي : زين لهم الفرار فأطاعوه، بسبب بعض ما كسبوا من الإثم، كمخالفة أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، والحرص على الغنيمة، وذنوب اقترفوها قبل الجهاد، فإن المعاصي تجر بعضها بعضاً، كالطاعة، ولقد عفا الله عنهم فيما فعلوا من الفرار ؛ لتوبتهم واعتذارهم ؛ إن الله غفور للذنوب، حليم لا يعاجل بعقوبة المذنب كي يتوب.
الإشارة : إن الذين تولوا منكم يا معشر الفقراء، ورجعوا عن صحبة الشيوخ، حين التقى في قلبهم الخصمان : خصم يرغبهم في الثبوت، وخصم يدلهم على الرجوع، ثم غلب خصم الرجوع فرجعوا، إنما استزلهم الشيطان بسوء أدبهم، فإن تابوا ورجعوا، أقبلوا عليهم، وقَبل الله توبتهم، وعفا عنهم، فإنه سبحانه غفور حليم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي