وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ أي: يكفر عنكم سيئاتكم إن كنتم على يقين من دينكم والله عَلِيمٌ بما في صدوركم.
قوله: إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان الاية.
هذه الآية إعلام من الله تعالى أنه قد غفر لهم انهزان بوم أحد من أصحاب النبي ﷺ، وأخبرنا تعالى أنهم إنما دعاهم إلى الزلة الشيطان ببعض ما تقدم لهم من أمرهم فانهزموا.
قيل: إنه ذكرهم بذنوب لم يتوبوا منها، فكرهوا أن يلقوا الله - تعالى - على غير توبة، فانهزموا لئلا يقتلوا قبل التوبة، فغفر الله لهم فرارهم.
وقال السدي: عنى بذلك من دخل المدينة منهزماً خاصة دون أن يصعد الجبل. وقيل: " نزلت في رجال لأعيانهم فروا، منهم: عثمان بن عفان وغيره، فروا وأقاموا على فرارهم ثلاثاً، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: لقد ذهبتم في أرض عريضة، فاعلمنا الله تعالى أنه عفا عنهم ".
قوله: يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ الآية. نهى الله المؤمنين أن يكونوا مثل المنافقين كالذين كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض أي: إذا خرجوا إلى سفر في تجارة أَوْ كَانُواْ غُزًّى أي: خرجوا لغزو، فهلكوا في سفرهم أو غزوهم، لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُو في سفرهم وَمَا قُتِلُواْ في غزوهم، جعل الله قولهم ذلك حسرة في قلوبهم. روي أن المنافقين قالوا في من بعثه النبي ﷺ من السرايا إلى بئر معونة، فقتلوا رحمة الله
عليهم لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ وهم عبد الله بن أبي بن سلول، وأصحابه قالوا ذلك، وأصل الضرب في أرض الإبعاد. وأصل الكلام أن يكون في موضع (إذا): (إذ) لأن في الكلام معنى الشرط، إذ فيه الذين، وإنما وقعت إذا موضع إذ كما يقع الماضي في الجزاء موضع المستقبل، فتقول إن تزرني زرتك.
أي: أزورك، فكذلك وقعت إذا وهي للمستقبل موضع إذ، ومثله إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ [الحج: ٢٥] وقع [كفروا] موضع يكفرون لأن الذي فيه معنى الجزاء، فجاز فيه ما يجوز في الجزاء، ودل على يكفرون قوله: وَيَصُدُّونَ. ثم أخبر تعالى [أنه] يحيي من يشاء ويميت من يشاء ليس جلوسهم عندهم بمنجيهم من الموت، ولا مسيرهم لسفر أو غزاة بمقرب لما بعد من آجالهم والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي: بعمل هؤلاء المنفقين بصير، فهذا على قراءة من قرأ بالياء، فذكر المنافقين أقرب. ومن قرأ بالتاء رده على أول الكلام في قوله لاَ تَكُونُواْ كالذين وكان الياء أقوى لأن الذين وضع عليهم الدم أولى بالتهديد من غيرهم، وكلا الأمرين حسن.
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي