قوله تعالى : وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هو خَيْراً لهم، بل هو شَرٌّ لهم سيُطَوَّقون ما بَخِلُوا به يومَ القيامةِ ولله مِيرَاثُ السمواتِ والأَرْضِ، والله بما تعملون خَبِير .
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : اختلف الناس في المراد بهذه الآية على قولين :
أحدهما : أنهم مانِعُو الزكاة.
الثاني : أنهم أهل الكتاب، بَخِلُوا بما عندهم من خَبر النبي صلى الله عليه وسلم وصِفَتِه، يروى عن ابن عباس.
المسألة الثانية : قال علماؤنا : البُخْل مَنْع الواجب، والشحُّ منع المستحبّ.
والدليلُ عليه الكتاب والسنة ؛ أما الكتاب فقوله تعالى : ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم ولو كان بهم خَصاصَةٌ، ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِه فأُولئكَ هم المفْلِحونَ [ الحشر : ٩ ]. والإيثارُ مستَحَبٌّ، وسمّي مَنْعُه شحّاً.
وأما السنّةُ فثبت برواية الأئمة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال :«مَثَل البخيل والمنفق كمثل رَجُلَين عليهما جُبَّتان من حديد ؛ فإذا أراد المتصدق أن يتصدّقَ سبغَتْ ووفرت حتى تُجنَّ بنانَه وتُعفي أثره، وإذا أراد البخيل أن يتصدَّق تقلَّصت ولزمت كلُّ حَلْقة مكانها، فهو يوسع ولا توسع ». وهذا من الأمثال البديعة، بيانه في شرح الحديث.
المسألة الثالثة : في المختار الصحيح : أنَّ هذه الآية دليلٌ على وجوب الزكاة ؛ لأنَّ هذا وعيدٌ لمانعها، والوعيدُ المقترنُ بالفعل المأمور به والْمَنْهيِّ عنه على حساب اقتضاء الوجوب أو التحريم ؛ وهذا الوعيدُ بالعقاب مفسَّرٌ في الحديث الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ؛ روى الأئمة عنه أنه قال :«ما مِن مالٍ لا يؤدَّى زكاتُه إلا جاء يوم القيامة شجاعاً أَقْرَع له زَبِيبتان يأخذه بشدقيه يقول : أنا مالُك، أنا كَنزك »، ثم تلا هذه الآية : ولا يَحسَبنَّ الذينَ يَبْخَلُونَ بما آتاهم اللهُ مِن فَضْلِه. . . إلى آخرها.
وهذا نصٌّ لا يُعْدَلُ عنه إلى غيره.
أما أنَّ القولَ الثاني يدخل في الآية بطريق الأولى ؛ لأنه إذا منع واجباً مما أخبر به صاحبُ الشريعة فاستحقَّ العقاب فَمَنْعه وقطعه لموجب الشريعة ومبلِّغها، وشارحُها أولى بوجوب العقاب وتضعيفه.
أحكام القرآن
ابن العربي