عليها، ولا تغتر، على أن الفرد قد يغتر بنفسه، فإذا ما امتحن عرف إيمان نفسه، وما سبيل التمييز بين هذا وذاك إلا بالاختبار بالشدائد والامتحان بالمصائب وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [سورة محمد آية ٣١] وقد اختبر الله الناس بغزوة أحد كما مضى، وما كان الله ليعلمكم حقيقة أنفسكم بطريق الغيب، فإنه خلق الإنسان وقدر له أن يصل إلى ما يريد بالعمل الكسبي الذي ترشده له الفطرة وهدى الدين.
ولذلك جرت سنة الله أن يميز بالابتلاء سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [سورة الأحزاب ٦٢] ولكن الله يختار من يشاء من رسله لأن مرتبة الاطلاع على الغيب مرتبة عليا عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [سورة الجن آية ٢٦ و ٢٧] فالرسول يطلعه الله على بعض الغيب فيخبر ببعضه عباده فيكون منهم الذين يؤمنون بالغيب، ولذا ختم الآية بقوله: فآمنوا بالله وما يخبر به رسوله. وإن تؤمنوا بذلك وتتقوا الله فلكم أجر عظيم وثواب جزيل. وفقنا الله لأن نكون من هؤلاء.
البخل شر يوم القيامة [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٤]
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)
المفردات:
سَيُطَوَّقُونَ: إما من الطاقة، فالمعنى: سيكلفون ذلك يوم القيامة.
وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ «١» أو: من الطوق، فالمعنى سيلزمون إثمه في الآخرة كما يلزم الطوق الرقبة فلا يجدون عنه مصرفا. مِيراثُ: ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره. سَنَكْتُبُ ما قالُوا: سنسجل ما قالوه، والمراد: إننا سنعاقبهم عليه. ذُوقُوا: أصل الذوق: إدراك المطعومات بالفم، ثم أريد به هنا إدراك المحسوسات مطلقا. الْحَرِيقِ: المحرق والمؤلم، والمراد: عذاب هو المحرق والمؤلم.
عَهِدَ إِلَيْنا: أمرنا به في التوراة. القربان: ما يتقرب به إلى الله.
الزُّبُرِ: جمع زبور، وهو الكتاب. الْمُنِيرِ الذي ينير الطريق، والمراد الإنجيل.
كان ما مضى من التحريض على بذل النفس في الحرب وجزاء الاستشهاد، وهنا علاج لمرض من أخطر الأمراض وهو البخل، إذ حياة الأمم متوقفة على بذل النفس والمال. وإلى هنا انتهى الكلام عن غزوة أحد وما يتعلق بها.
المعنى:
ولا يظن أحد أن بخل الذين يبخلون بما حباهم الله من فضله خير لهم كما يتوهمون أن كنز المال ينفع في الملمات وأن الجود يفقر، والإقدام قتّال، لا: بل هو شر مستطير
وخطر جسيم على الأمة والفرد، والظاهر أن المراد بالبخل البخل بالقدر من الزكاة المحددة والصدقة المطلقة إذ لم يأمرنا الدين بالإنفاق لكل ما نملك.
أما خطره في الدنيا فظاهر في الحملات الشعواء على الأغنياء الجشعين وشيوع الأفكار الهدامة للنظم الاجتماعية العامة، وأما شره في الآخرة فما عبر القرآن الكريم بأنهم سيلزمون عاقبة بخلهم إلزام الطوق في العنق فلا يجدون عنه صرفا ولا محيلا.
وفي بعض الروايات عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في مانع الزكاة.
يطوق بشجاع أقرع، وروى بشجاع أسود، وقيل: يجعل ما بخل به حية يطوقها في عنقه يوم القيامة تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه وتقول: أنا مالك أنا كنزك.
وكيف تبخلون بالمال أو الجاه أو العلم؟ لأن هذا كله مما آتاه الله، والآية مطابقة يدخل فيها كل ذلك وإن كان دخول المال فيها دخولا أوليا؟
وكيف تبخلون بالمال وتكنزونه للولد والوارث؟ ولله- سبحانه- ما في السموات والأرض مما يتوارثه أهلوها من مال وغيره فما لهم يبخلون بملكه وقد طلبه منهم؟ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد ٧] وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة ٣] وفي الآية إيماء إلى أن كل ما منحه الله للإنسان من مال أو جاه أو قوة أو علم هو عرض زائل وعارية مستردة، وصاحبه فان غير باق، ولله تصريف الأمور، فربما جمعت المال ليرثه ابنك حتى يكون غنيا والله لم يقدر له ذلك فيضيع ما جمعت، ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير لا تخفى عليه منكم خافية.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت اليهود رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين أنزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة ٢٤٥ الحديد ١١] فقالوا: يا محمد؟ أفقير ربك؟ يسأل عباده القرض ونحن أغنياء؟ فأنزل الله: لقد سمع الله... الآية
وفي رواية وقع نقاش بين أبى بكر- رضى الله عنه- وفنحاص اليهودي في هذا الموضوع فلطمه أبو بكر فشكا إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم فقال لأبى بكر: لم فعلت؟
قال: يا رسول الله، إن عدو الله قال: إن الله فقير ونحن أغنياء فأنكر فنحاص ذلك فنزلت الآية
تأييدا لكلام أبى بكر وتسجيلا على فنحاص، والمعنى: سنحفظ عليهم مقالتهم ونحصيها عليهم فيعاقبون على ما قالوا أشد العقوبة.
ولا غرابة في ذلك فهم اليهود الذين مرنوا على النفاق ومردوا على السوءات فهم الذين قتلوا الأنبياء قديما بغير حق ولا ذنب إلا أنهم يقولون: ربنا الله، ونسبة القتل
لليهود الأحياء مع أنهم لم يباشروه لأنهم راضون عنهم وهم سلفهم ومن أمتهم، والأمة تؤخذ بذنب أفرادها لأنهم بين فاعل القبح وتارك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيكون مشتركا بالقوة لا بالفعل.
وهؤلاء اليهود حاولوا مرارا قتل النبي صلّى الله عليه وسلّم (وما حادثة أكلة خيبر ببعيدة).
وجزاء هؤلاء أن الله سينتقم منهم أشد الانتقام ويقول لهم إهانة وتنكيلا بهم وتعذيبا:
ذوقوا عذابا هو الحريق المؤلم فإنكم أهل له كما أذقتم المؤمنين سابقا عذاب الدنيا وألمها.
هذا العذاب الأليم لهم بما قدمته أيديهم وجنته جوارحهم، وذكر الأيدى للتغليب وللتأكيد بأنهم فعلوا ما فعلوا بأنفسهم.
ولأن الله هو الحكم العدل وليس بذي ظلم للعبيد أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
«١» ! أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ ما لكم كيف تحكمون!!؟ فما ترك عقاب المسيء مساواة بينه وبين المحسن، ولا شك أن هذا وضع للشيء في غير موضعه، سبحانه وتعالى عما يشركون!! هؤلاء اليهود لهم السوءات الكبيرة فهم البخلاء بالمال، المانعون للزكاة، القاتلون للأنبياء، الظالمون في كل عمل، القائلون كذبا: إن الله عهد إلينا ألّا نؤمن برسول أيا كان حتى يأتينا بقربان نتقرب به إلى الله فتأكله النار، وكانوا يفترون على الله الكذب ويذيعون أن الله أوحى إليهم في التوراة هذه المقالة.
فرد الله عليهم أن هذه معجزة، والمعجزة سيقت لتأكيد الرسالة وإثبات صدق النبي صلّى الله عليه وسلّم المبعوث، وقد أرسلت لكم المعجزات وأتتكم الرسل بالبينات الواضحات الدالات على صدقهم فلم كذبتموهم ولم تصدقوهم؟ ولم قتلتموهم إن كنتم صادقين؟
فإن كذبوك يا محمد بعد هذا كله فقد كذبت رسل قبلك كثيرة جاءوا بالبينات المعجزات وأيدوا بالكتب خاصة الكتاب المنير وهو الإنجيل، وهذه تسلية للرسول صلّى الله عليه وسلّم.
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي