وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ١٨٠ لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ١٨١ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ١٨٢ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ١٨٣ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ( آل عمران : ١٨٠-١٨٤ ).
تفسير المفردات : ما أتاهم : أي ما أعطاهم من المال و العلم و الجاه سيطوقون ما بخلوا به : أي سيلزمون إثمه في الآخرة كما يلزم الطوق الرقبة و قد جاء في أمثالهم : تقلدها طوق الحمامة إذا جاء بما يسب به و يذم ميراث السماوات و الأرض : أي ما يتوارثه أهلهما من مال و غيره
المعنى الجملي : كان الكلام فيما مضى في التحريض على بذل النفس في الجهاد في سبيل الله بذكر ما يلاقيه المجاهدون من الكرامة مند ربهم في جنات النعيم.
و هنا شرع يحث على بذل المال في الجهاد – و المال شقيق الروح – فذكر أشد أنواع الوعيد لمن يبخل بماله في هذه السبيل و أرشد إلى أن المال ظل زائل وأن مدى الحياة قصير و أن الوارثين و الموروثين سيموتون و يبقى الملك لله وحده.
ثم ذكر مقالة لليهود قد قالوها ثم كذبهم فيها ثم سلى رسوله و أبان له أن تكذيبهم لك ليس ببدع منهم بل سبقوا من قبل بمثله من الأنبياء السابقين.
الإيضاح : و لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم أي و لا يظنن أحد أن بخل الباخلين بما أعطاهم الله من فضله و نعمه هو خيرا لهم لأنهم مطالبون بشكران النعم و البخل بها كفران لا ينبغي أن يصدر من عاقل.
و المراد من البخل بالفضل البخل به في أداء الزكاة المفروضة و في الأحوال التي يتعين فيها بذل المال كالإنفاق لصد عدو يجتاح البلاد و يهدد استقلالها و يصبح أهلها أذلة بعد أن كانوا أعزة أو إنقاذ شخص من مخالب الموت جوعا.
ففي كل هذه الأحوال يجب بذل المال لأنه يجري مجرى دفع الضرر عن النفس.
و ليس الذم و الوعيد على البخل بما يملك الإنسان من فضل ربه إذ إن الله أباح لنا الطيبات لنستمتع بها و لأن العقل قاض بأن الله لا يكلف الناي بذل كل ما يكسبون و يبقون عُراة جائعين و من ثم قال في حق المؤمنين المهتدين وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( البقرة : ٣ ).
و جاءت الآية بطريق التعميم ترغيبا في بذل المال بدون تحديد و لا تعيين و وكل أمر ذلك إلى اجتهاد المؤمن الذي يتبع عاطفة الإيمان التي في قلبه و ما تحدثه في النفس من أريحية بذل الواجب و الزيادة عليه إذا هو تذكر أن في ماله حق للسائل و المحروم.
بل هو شر لهم أي هو شر عظيم لهم و قد نفى أولا أن يكون خيرا ثم أثبت كونه شرا لأن المانع للحق إنما يمنعه لأنه يحسب أن في منعه خيرا له لما في بقاء المال في يده من الانتفاع به في التمتع باللذات و قضاء الحاجات و دفع الغوائل و الآفات.
سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة أي سيجعل ما بخلوا به من المال طوقا في أعناقهم و يلزمهم ذنبه و عقابه و لا يجدون إلى دفعه سبيلا كما يقال : طوقني الأمر أي ألزمني إياه.
و خلاصة هذا : إن العقاب على البخل لازم لا بد منه.
و قال مجاهد : إن المعنى سيكلفون أن يأتوا ما بخلوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم فلا يستطيعون ذلك و يكون ذلك توبيخا لهم على معنى : هلا فعلتم ذلك حين كان ممكنا ميسورا و نظير هذا قوله تعالى : وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ( القلم : ٤٢ ).
و يرى بعضهم أن التطويق حقيقي و أنهم يطوّقون بطوق يكون سببا لعذابهم فتصير تلك الأموال حيات تلتوي في أعناقهم فقد روى البخاري و النسائي عن أبى هريرة قال :" من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مُثِّل له شجاع ( ثعبان ) أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بِلِهْزَمَتَيْهِ ( شدقيه ) يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا الآية ".
و لله ميراث السماوات و الأرض أي و لله وحده لا لأحد سواه ما في السماوات و الأرض ما يتوارث من مال و غيره فينقل من واحد إلى آخر لا يستقر في يد و لا يسلم التصرف فيه لأحد إلى أن يفنى الوارثون و المورثون يبقى مالك الملك و هو الله رب العالمين.
فما لهؤلاء القوم يبخلون عليه بملكه و لا ينفقونه في سبيله و ابتغاء مرضاته.
و في الآية إيماء إلى أن كل ما يُعْطَاه الإنسان من مال و جاه و قوة و علم فإنه عرض زائل و صاحبه فان غير باق فلا ينبغي أن يستبقي الفاني ما هو مثله في الفناء بل عليه أن يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها و بذا يكون خليفة لله في أرضه محسنا للتصرف فيما اسْتُخْلف.
و الله بما تعملون خبير أي و الله لا تخفى عليه خافية من أعمالكم و لا تنطوي عليه جوانحكم فيجازي كل عامل بما عمل بحسب تأثير علمه في تزكية نفسه أو تدسيتها و نيته في فعله كما جاء في الحديث :" إنما الأعمال بالنيات و إنما لمل امرئ ما نوى ".
المعنى الجملي : كان الكلام فيما مضى في التحريض على بذل النفس في الجهاد في سبيل الله بذكر ما يلاقيه المجاهدون من الكرامة مند ربهم في جنات النعيم.
و هنا شرع يحث على بذل المال في الجهاد – و المال شقيق الروح – فذكر أشد أنواع الوعيد لمن يبخل بماله في هذه السبيل و أرشد إلى أن المال ظل زائل وأن مدى الحياة قصير و أن الوارثين و الموروثين سيموتون و يبقى الملك لله وحده.
ثم ذكر مقالة لليهود قد قالوها ثم كذبهم فيها ثم سلى رسوله و أبان له أن تكذيبهم لك ليس ببدع منهم بل سبقوا من قبل بمثله من الأنبياء السابقين.
تفسير المراغي
المراغي