ولا يحسبن قرأ حمزة بالتاء خطأ بالنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يحسب والباقون بالياء وضمير الفاعل راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو كل من يحسب وقوله : الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله أي يبخلون بالزكاة مفعوله الأول بتقدير المضاف أي لا تحسبن بخل الذين ليطابق المفعولين هو ضمير الفصل خيرا لهم مفعوله الثاني وجاز أن يكون الموصول فاعلا للفعل على قراءة الجمهور والمفعول الأول محذوفا، وجاز أن يكون الضمير المرفوع أعني هو المفعول الأول وضع موضع الضمير المنصوب والمعنى على التقديرين لا يحسبن الذين يبخلون بالزكاة بخلهم خيرا لهم أو إيتاء الله المال خيرا لهم أو ما آتاهم الله خيرا لهم وهذا التقدير أوفق بقوله تعالى : سيطوّقون ما بخلوا به بل هو يعني البخل أو إيتاء الله المال أو ما آتاهم الله شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة نزلت الآية في ما نعي الزكاة كذا قال ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل والشعبي والسدي. عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثّل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم تأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ولا يحسبن الذين يبخلون الآية " ١ رواه البخاري، وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه تطأه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جاءت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس " ٢ متفق عليه، وروى عطية عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وأراد بالبخل كتمان العلم وبقوله : سيطوقون ما بخلوا به أنهم يحملون أوزارهم وآثامهم ولله ميراث السماوات والأرض يعني أنه الباقي بعد فناء خلقه وهم يموتون ويتركون الأموال فيعطي أموالهم لمن يشاء من ورثتهم ومن غيرهم ويبقى عليهم الحسرة والعقوبة فما لهم يبخلون ولا ينفقون أموالهم في سبيل الله والله بما تعملون قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء للغيبة، والضمير راجع إلى الذين يبخلون والباقون بالتاء خطابا للناس أجمعين أو للذين يبخلون على الالتفات خبير فيجازي عليه.
أخرج محمد بن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس :" أنه كتب النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وان يقرضوا الله قرضا حسنا، فدخل أبو بكر ذات يوم بيت مدارسهم فوجد ناسا كثيرا من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء أو كان من علمائهم ومعه حبر آخر يقال له أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص : اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمد صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة فآمن وصدق وأقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب، فقال فنحاص : يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرض أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني فإن كان ما تقول حقا فإن الله إذا لفقير ونحن أغنياء، وإنه ينهاكم عن الربا ويعطينا ولو كان غنيا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال : والذي نفسي بيده لولا العهد بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد أنظر ما صنع بي صاحبك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فغضبت الله وضربت وجهه، فجحد ذلك فخاص فأنزل الله تعالى ردا على فنحاص وتصديقا لأبي بكر لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء .
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: زكاة البقر (١٤٩٠) وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة (٩٩٠)..
التفسير المظهري
المظهري