يقول الحق سبحانه : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ... .
بعد أن قال لنا : إنه إله واحد، وقائم بالقسط هو نتيجة منطقية لكونه - سبحانه - إلها واحدا فكأن قوله إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ هو نتيجة لقوله : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ . لماذا ؟ لأنه لا تسليم لأحد إلا الله، وما دام الله إلها واحدا، فلا إله غيره يشاركه، يقول الحق :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [ المؤمنون : ٩١ ].
وما دام قد ثبت أنه هو الإله الواحد، فما الذي يمنعك أيها الإنسان أن تخضع لمراده منك ؟ إذن فقول الحق بعد ذلك : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ هو أمر منطقي جدا يجب أن ينتهي إليه العاقل، ومع ذلك رحمنا الله سبحانه وتعالى فأرسل لنا رسلا لينبهونا إلى القضية السببية، والمسببية، والمقدمة والنتيجة إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وإذا سألنا : ما هو الدين ؟ تكون الإجابة : إن الدين كلمة لها إطلاقات متعددة فهي من " دان " تقول : دنت لفلان : رجعت له وأسلمت نفسي له، وائتمرت بأمره. ويُطلق الدين أيضا على الجزاء، فالحق يقول عن يوم الجزاء : " يوم الدين " وهو يوم الجزاء على الطاعة وعلى المعصية، وعلى أن الإنسان المؤمن قد دان لأمر الله، فكلها تلتقي في قول الحق : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ يُشعرنا بأنه قد توجد أديان يخضع لها الناس، ولكنها ليست أديانا عند الله ؛ ألم يقل الحق :
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ الكافرون : ٦ ].
إن معنى ذلك أن هناك دينا لغير الله فيه خضوع واستسلام، وفيه تنفيذ لأوامر، ولكن ليس دينا لله، ولا دينا عند الله. إن الدين المعترف به عند الله هو الإسلام. والدين يطلق مرة على الملة ومرة أخرى على الشريعة، فإن أراد المؤمن الأحكام المطلوبة فلك أن تسميها شريعة، وإن أراد المؤمن الطاعة، والخضوع، وما يترتب عليهما من الجزاء فليسمها المؤمن الدين، وإن أراد الإنسان كل ما ينتظم ذلك فليسمها الملة.
إذن فقوله سبحانه : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ تعني أنه لا دين عند الله إلا الإسلام، وكلمة " الإسلام " مأخوذة من مادة " سين " و " لام "
و " ميم ". و " السين " و " اللام " و " الميم " لها معنى يدور في كل اشتقاقاتها، وينتهي عند السلامة من الفساد. وينتهي المعنى أيضا إلى الصلح بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وربه، وبين الإنسان والكون، وبين الإنسان وإخوانه، إنه صلاح وعدم فساد، كل مادة السين واللام والميم تدل على ذلك، وما دامت المادة المكونة منها كلمة " إسلام " تدل على ذلك فلماذا لا نتبعها ؟.
لقد قلنا سابقا : إن الإنسان لا يخضع لمثيله إلا إذا اقتنع بما يقول، إن الإنسان يقول لمساويه الذي يأمره : لماذا تريدني أن أنفذ أوامرك ؟ إنك لا بد أن تقنعني بالحكمة من ذلك الأمر، لكن عندما يؤمن الإنسان بإله واحد قائم بالقسط، ويصدر من هذا الإله أمر، فعلى الإنسان الطاعة.
إذن.. فالإسلام معناه الخضوع، والاستسلام بعزة وفهم، وعزة وتعقل ؛ لأن هناك عبودية تَعَقّل عندما يقف الإنسان عند المعنى السطحي، وهناك عزة تعقل عندما يقف الإنسان عند المعنى الذي لا يأتيه الباطل من بين يده أو من خلفه، إن هذا هو عزة العقل فلا يستهويه أي شيء سوى الخضوع للأمر الثابت الذي لا يتناقض أبدا.
فما دام الله إلها واحدا قائما بالقسط فإني كعبدٍ من عبيده حين أؤمن به وآخذ عنه، فهذه عزة في الفهم وعزة في التعقل، وعزة في العبودية أيضا، لأنني أعبد الله الذي هو فوق كل المخلوقات والكائنات، ولا أعبد مساويا لي، وإن الذي يعبد مساويا له لا يملك إلا إنفة وحميّة الذليل، وما دام الإسلام هو الخضوع والاستسلام لله فهو خضوع لغير مساو، و " أسلم " أي دخل في السلم، أي دخل في الصلح، وعدم التناقض، وفي الأمان والراحة، أي خلص نفسه من كل شيء إلا وجه الله ؛ ولذلك يقول الحق :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [ الزمر : ٢٩ ].
كأن الله يريد أن يوضح لنا الفرق بين الخاضع لأمر سيد واحد، وبين الخاضع لِسَادَةٍ كثيرين. وضرب الله لنا المثل بالأمر المشهور عندنا، فقال ما معناه : هب أن عبداً له من السادة عشرة، وكل سيّد له منه طلب، فماذا يصنع ذلك العبد ؟ وعبد آخر له سيد واحد، هذا العبد يكون مستريحا لأنّ له سيدا واحدا، بينما الآخر المملوك لعشرة تتضارب حياته بتضارب أوامر سادته العشرة.
إذن فالعبد المملوك لشركاء تعيس ؛ لأن الشركاء غير متفقين، إنهم شركاء متشاكسون، فإذا رآه سيده يفعل أمرا لسيد آخر، أمره بالعكس، وبذلك يتبدد جهد هذا العبد ويكثر تعبه، ولكن الرجل السلم لرجل، هو مستريح، وكذلك التوحيد، لقد جاء الحق سبحانه بمثل من واقعنا ليقرب لنا حلاوة التوحيد. إن العبد المؤمن بإله واحد يحمد الله لأنه خاضع لإله واحد. إذن فما دام الإسلام هو الخضوع والاستسلام ومعناه الدخول في السلم بكسر السين - أو الدخول في السلم - بفتح السين - يقول الحق :
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ الأنفال : ٦١ ].
هذا الخضوع ليس لمساو، بل لأعلى. والأعلى الذي نخضع له هو الذي خلق، وهو الأعلى الذي أمدنا بقيوميته بكل شيء.
إذن فإذا أسلم الإنسان، فإن هذا الإسلام له ثمن هو المثوبة من الله. إن من مصلحة الإنسان أن يسلم. إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ وما دام الدين المعترف به عند الله هو الإسلام فهو الدين الذي يترتب عليه الثواب والإسلام هو دين الرسل جميعا، وكلهم قد آمن به ؛ فإبراهيم خليل الرحمن قد قال :
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ البقرة : ١٢٨ ].
ويعقوب عليه السلام يخبر الحق عنه في قوله لبنيه وإجابتهم له :
أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ البقرة : ١٣٣ ].
ويقول - جل شأنه - :
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ الأنعام : ١٦١-١٦٣ ].
إذن فالإسلام دين شائع، والمسلمون كلمة شائعة في الأديان، وبذلك لا يقف الإسلام عند رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فقط، إنما الإسلام خضوع من مخلوق لإله في منهج جاء به رسل مؤيدون بالمعجزات، إلاّ أن الإسلام بالنسبة لهذه الرسالات كان وصفا، لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تميزت بديمومة الوصف لدينها كما كان لأمم الرسل السابقة، وصار الإسلام - أيضا - علما لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تضمنت منتهى ما يوجد من إسلام في الأرض، فلم يعد هناك مزيد عليها، وانفردت أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن صار الإسلام علما عليها.
إذن فالإسلام في الأمم السابقة كان وصفا، وأما بالنسبة لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صار علما لأنه لم يأت بعدها دين، فإسلامها إسلام عالمي، ولذلك فنحن بهذا الدين نقول : " نحن مسلمون " أما أصحاب الديانات الأخرى فهم أيضا مسلمون لكن بالوصف فقط. نحن الذين نتبع الدين الخاتم سمانا الله في كتابه المسلمين فهذا من إعجازات التسمية التي وافق فيها خليل الله إبراهيم عليه السلام مراد ربه :
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [ الحج : ٧٨ ].
لقد صار الإسلام اسما لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ولا يُطلق هذا الوصف اسما إلا على من بالغ في التسليم.
كيف ؟ نحن نعلم أن لفظ الجلالة " الله " علم لواجب الوجود، ونعلم أن " حي " صفة من صفات الله سبحانه وتعالى. ولكن صارت كلمة
" حي " اسما من أسماء الله ؛ لأن الله حي حياة كاملة أزلية. إذن لا تكون الصفة اسما إلا إذا أخذ الوصف فيها الديمومة والإطلاق. وعلى هذا القياس يكون الرسل السابقون على محمد صلى الله عليه وسلم، والأمم السابقة على أمة الإسلام، كانوا مسلمين، وكانوا أمما مسلمة بالوصف، ولكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تميزت بالإسلام وصفا وعَلَما، فصار الأمر بالنسبة إليها اسما، ونظرا لأنه لن يأتي شيء بعدها، لذلك صار إسلام أمة رسول الله " علما ". ولقد بشر سيدنا إبراهيم عليه السلام بهذا الأمر : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ [ الحج : ٧٨ ] إن الحق قد أورد على لسان سيدنا إبراهيم بالوضوح الكامل هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ولم يقل الحق : " هو وصفكم بالمسلمين ". لا، إنما قال : هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ، لأن الأمم السابقة موصوفة بالإسلام وأما أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي مسماة بالإسلام. وتجد من إعجازات التسمية، أننا نجد لأتباع الأديان الأخرى أسماء أخرى غير الإسلام، فاليهود يسمون أنفسهم باليهود نسبة ل " يوها ". ويقولون عن أنفسهم : " موسويون " نسبة إلى موسى عليه السلام. والمسيحيون يسمون أنفسهم بذلك نسبة إلى المسيح عيسى ابن مريم. ولم نقل نحن أمة رسول الله عن أنفسنا :
" إننا محمديون " لقد قلنا عن أنفسنا : " نحن مسلمون ". ولم يأت على لسان أحد قط إلا هذه التسمية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وصار اسم الإسلام لنا شرفا. إذن، فقول الله الحق : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ يعني أنه، إن جاز أن يكون لرسول أو لأتباع رسول وصف الإسلام فقد يجيء رسول بشيء جديد لم يكن عند الأمم السابقة فنزيده نحن بالتسليم، وبزيادتنا - نحن المسلمين - بهذا التسليم خُتِمَ التسليم بنا نحن أمة رسو
تفسير الشعراوي
الشعراوي