و إن الدين : جملة مستأنفة مؤكدة للأولى، أي : لا دين مرضي عند الله سوى الإقرار بالشهادة والدخول فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قرأ بالفتح فهو بدل من أنه ، بدل الكل، إن فسر الإسلام بالإيمان، وبدل الاشتمال إن فسر بالشريعة.
إن الدين عند الله الإسلام أي : إن الدين المرضي عند الله هو الانقياد لأمر التوحيد والإذعان لمن جاء به. ورُوِيَ عن أنسَ رضي الله عنه قال : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم :" من قرأَ هذه الآيةَ عند منامه خَلَقَ اللَّهَ تعالى سبعين ألف خَلْقٍ يستغفرون الله له إلى يوم القيامة ". وهي أعظم شهادة في كتاب الله، " من قرأها إلى ( الحكيم ) وقال : وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودِعُ اللّهَ هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، يقول الحق تعالى : إن لعبدي هذا عندي عهداً وأنا أحقُّ مَنْ وفى بالعهد، أدخِلوا عبدي الجنة ".
ثم ذكر من سبق له الخذلان بعد سطوع الدليل والبُرهان، فقال :
. . . وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ
قلت : بغياً : مفعول له، علة للاختلاف.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وما اختلف اليهود والنصارى في حقيقة الإسلام والتدين به، إلا من بعد ما جاءهم العلم أي : من بعد ما تمكنوا من العلم بصحته، وأن الدين عند الله هو الإسلام، فجحدوه ظلماً وحسداً. أو ما اختلف أرباب الكتب المتقدمة في دين الإسلام ؛ فأثبته قوم، وقال قوم : إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقاً، إلا من بعد ما ثبت لهم بصحته وعموم الدعوة له. أو في التوحيد ؛ فثلث النصارى، وقالت اليهود : عزير ابن الله، بعد ما صح لهم العلم بالتوحيد فغيروا. وقال الربيع : إن موسى عليه السلام لما حضره الموت، دعا سبعين حبراً من قومه، فاستودعهم التوراة، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت بينهم الفرقة، وهم : الذين أوتوا الكتاب من أبناء السبعين، فأراقوا الدماء ووقع بينهم الشر والاختلاف.
وذلك من بعد ما جاءهم العلم، يعني بيان ما في التوراة، بغياً بينهم أي : طلباً للملك والرئاسة والتحاسد، فسلّط عليهم الجبابرة، ومن يكفر بآيات الله المنزلة على رسوله، أو الدالة على وحدانيته، فإن الله سريع الحساب ؛ لا يشغله شأن عن شأن، وفيه تهديد لأهل الاختلاف.
الإشارة : الاختلاف على الصوفية، والإنكار عليهم، إن كان بغياً وحسداً وخوفاً على زوال رئاسة المنكر، فهذا معرض لمقت الله، فقد آذن بحرب الله، وبالُه سوء الخاتمة، والعياذ بالله، وفي ذلك يقول القائل :
| هِمَمُهُمْ تَقْضِي بحُكْم الوَقْتِ | مُنِكِرُهُم مُعَرَّضٌ للمٌقْتِ |
الإشارة : صدرُ الآية يشير إلى الفرق، وعَجُزُها يشير إلى الجمع، كما هي عادته تعالى في كتابه العزيز، يشرع أولاً، ويُحَقِّق ثانياً، فأثبت الحق - جلّ جلاله - شهادة الملائكة وأولي العلم مع شهادته ؛ لإثبات سر الشريعة، ثم محاها بقوله : لا إله إلا هو العزيز الحكيم بحكم الحقيقة. فإثبات الرسوم شريعة، ومحوها حقيقة، فتوحيد أهل الرسوم والأشكال دلالة من وراء الحجاب، وتوحيد أهل المحو والاضمحلال شهادة من داخل الحجاب، وتوحيد أهل الرسوم دلالة وبرهان، وتوحيد أهل المحو شهادة وعيان، أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان. إثبات الرسوم إسلام وإيمان، ومحوها شهود وإحسان، وكل توحيد لم تظهر ثمرته على الجوارح من الإذعان والانقياد لأحكام العبودية فهو مخدج١، لقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ [ آل عِمرَان : ١٩ ] أي، الانقياد والإذعان، ظاهراً وباطناً، لأحكام القهرية والتكليفية، فمن لا انقياد له لا دين له كاملاً.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي