وإلى هنا كان سياق السورة يستهدف تقرير حقيقة التوحيد : توحيد الألوهية والقوامة، وتوحيد الكتاب والرسالة.. ويصور موقف المؤمنين حقا والمنحرفين الذين في قلوبهم زيغ، من آيات الله وكتابه.. ويهدد المنحرفين بمصير كمصير الذين كفروا في الماضي وفي الحاضر.. ثم يكشف عن الدوافع الفطرية التي تلهي عن الاعتبار ؛ ويصور حال المتقين مع ربهم والتجاءهم إلى الله..
فالآن - وإلى نهاية هذا الدرس - نجدنا أمام حقيقة أخرى.. هي مقتضى الحقيقة الأولى.. فحقيقة التوحيد تستلزم مصداقا لها في واقع الحياة البشرية، هو الذي يقرره الشطر الثاني من هذا الدرس.
ومن ثم يبدأ بإعادة تقرير الحقيقة الأولى ليرتب عليها آثارها الملازمة لها.. يبدأ بشهادة الله - سبحانه - ( أنه لا إله إلا هو ) وشهادة الملائكة وأولي العلم بهذه الحقيقة. ويقرر معها صفة الله المتعلقة بالقوامة، وهي قيامه بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون.
وما دام الله متفردا بالألوهية وبالقوامة فإن أول مستلزمات الإقرار بهذه الحقيقة، هو الإقرار بالعبودية لله وحده وتحكيمه في شأن العبيد كله ؛ واستسلام العبيد لإلههم، وطاعتهم للقيوم عليهم، واتباعهم لكتابه ولرسوله [ ص ].
ويضمن هذه الحقيقة قوله تعالى :( إن الدين عند الله الإسلام ).. فهو لا يقبل دينا سواه من أحد.. الإسلام الذي هو الاستسلام والطاعة والاتباع.. وإذن فليس الدين الذي يقبله الله من الناس هو مجرد تصور في العقل ؛ ولا مجرد تصديق في القلب. إنما هو القيام بحق هذا التصديق وذلك التصور.. هو تحكيم منهج الله في أمر العباد كله، وطاعتهم لما يحكم به، واتباعهم لرسوله في منهجه.
وهكذا.. يعجب من أهل الكتاب ويشهر بأمرهم.. إذ يدعون أنهم على دين الله. ثم ( يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ) ! ! ! مما ينقض دعوى التدين من الأساس. فلا دين يقبله الله إلا الإسلام. ولا إسلام بغير استسلام لله وطاعة لرسوله، واتباع لمنهجه، وتحكيم لكتابه في أمور الحياة..
ويكشف عن علة هذا الإعراض - الذي هو التعبير الواقعي عن عدم الإيمان بدين الله - فإذا هي عدم الاعتقاد بجدية " القسط " في الجزاء يوم الحساب :( ذلك بأنهم قالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ).. معتمدين على أنهم أهل كتاب ( وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ).. وهو غرور خادع. فما هم بأهل كتاب، وما هم بمؤمنين أصلا. وما هم على دين الله إطلاقا ؛ وهم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون.
وبهذا الجزم القاطع يقرر الله سبحانه في القرآن الكريم معنى الدين وحقيقة التدين.. فلا يقبل من العباد إلا صورة واحدة ناصعة قاطعة.. الدين : الإسلام. والإسلام : التحاكم إلى كتاب الله وطاعته واتباعه.. فمن لم يفعل فليس له دين، وليس مسلما ؛ وإن ادعى الإسلام وادعى أنه على دين الله. فدين الله يحدده ويقرره ويفسره الله، وليس خاضعا في تعريفه وتحديده لأهواء البشر.. كل يحدده أو يعرفه كما يشاء !
لا. بل إن الذي يتخذ الكفار أولياء - والكفار كما يقرر السياق هم الذين لا يقبلون التحاكم إلى كتاب الله - ( فليس من الله في شيء ).. ولا علاقة له بالله في شيء ولا صلة بينه وبين الله في شيء.. مجرد من يتولى وينصر أو يستنصر أولئك الكفار الذين يرفضون أن يتحاكموا إلى كتاب الله. ولو ادعوا أنهم على دين الله !
ويشتد التحذير من هذه الولاية التي تذهب بالدين من أساسه. ويضيف السياق إلى التحذير التبصير. تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة القوى التي تعمل في هذا الوجود. فالله وحده هو السيد المتصرف، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء.. وهذا التصريف لأمر الناس ليس إلا طرفا من التصريف لأمر الكون كله. فهو كذلك يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.. وهذا هو القيام بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون، فلا داعي إذن لولاية غيره من العباد، مهما يكن لهم من قوة ومن مال وأولاد.
ويشي هذا التحذير المؤكد المكرر بما كان واقعا في الجماعة المسلمة يومذاك من عدم وضوح الأمر تماما ؛ ومن تشبث بعضهم بصلاته العائلية والقومية والاقتصادية مع المشركين في مكة ومع اليهود في المدينة، مما اقتضى هذا التفسير والتحذير. كما أنه يشي بطبيعة ميل النفس البشرية إلى التأثر بالقوى البشرية الظاهرة، وضرورة تذكيرها بحقيقة الأمر وحقيقة القوى، إلى جانب إيضاح أصل العقيدة ومقتضياتها في واقع الحياة.
ويختم الدرس بكلمة حاسمة قاطعة : إن الإسلام هو طاعة الله والرسول. وإن الطريق إلى الله هو طريق الأتباع للرسول. وليس مجرد الاعتقاد بالقلب، ولا الشهادة باللسان :( قل : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله... ) ( قل : أطيعوا الله والرسول. فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ).. فإما طاعة واتباع يحبه الله، وإما كفر يكرهه الله.. وهذا هو مفرق الطريق الواضح المبين..
ويرتب على هذه الحقيقة التي عاد لتوكيدها مرتين في الآية الواحدة، نتيجتها الطبيعية.. الوهية واحدة. فلا عبودية إلا لهذه الألوهية الواحدة :
( إن الدين عند الله الإسلام. وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم. بغيا بينهم. ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب. فإن حاجوك فقل : أسلمت وجهي لله ومن اتبعن. وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين : أأسلمتم ؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد )..
ألوهية واحدة.. وإذن فدينونة واحدة.. واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معه شيء في نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان الله.
ألوهية واحدة.. وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها ؛ وفي تطويعهم لأمرها ؛ وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها ؛ وفي وضع القيم والموازين لهم وأمرهم باتباعها ؛ وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها..
ألوهية واحدة.. وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها الله من عباده. عقيدة التوحيد الخالص الناصع.. ومقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا :
( إن الدين عند الله الإسلام )..
الإسلام الذي هو ليس مجرد دعوى، وليس مجرد راية، وليس مجرد كلمة تقال باللسان ؛ ولا حتى تصورا يشتمل عليه القلب في سكون ؛ ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام.. لا. فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس دينا سواه. إنما الإسلام الاستسلام. الإسلام الطاعة والاتباع. الإسلام تحكيم كتاب الله في أمور العباد.. كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل.
والإسلام توحيد الألوهية والقوامة.. بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات الله - سبحانه - وذات المسيح - عليه السلام - كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضا.. ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافا عنيفا يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال.. هنا يبين الله لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علة هذا الاختلاف :
( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم. بغيا بينهم ).
إنه ليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر. فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله، وتفرد الألوهية. وبطبيعة البشرية، وحقيقة العبودية.. ولكنهم إنما اختلفوا ( بغيا بينهم ) واعتداء وظلما ؛ حينما تخلوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه.
وقد رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية. وليس هذا إلا نموذجا مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية. وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما اليهما للحكم الروماني سببا في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر ! كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببا في ابتداع مذهب وسط، يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعا ! ! كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية ! وهذا هو البغي أشنع البغي. عن قصد وعن علم !
ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب :
( ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب )..
وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفرا ؛ وهدد الكافرين بسرعة الحساب ؛ كي لا يكون الإمهال - إلى أجل - مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف..
وإلى هنا كان سياق السورة يستهدف تقرير حقيقة التوحيد : توحيد الألوهية والقوامة، وتوحيد الكتاب والرسالة.. ويصور موقف المؤمنين حقا والمنحرفين الذين في قلوبهم زيغ، من آيات الله وكتابه.. ويهدد المنحرفين بمصير كمصير الذين كفروا في الماضي وفي الحاضر.. ثم يكشف عن الدوافع الفطرية التي تلهي عن الاعتبار ؛ ويصور حال المتقين مع ربهم والتجاءهم إلى الله..
فالآن - وإلى نهاية هذا الدرس - نجدنا أمام حقيقة أخرى.. هي مقتضى الحقيقة الأولى.. فحقيقة التوحيد تستلزم مصداقا لها في واقع الحياة البشرية، هو الذي يقرره الشطر الثاني من هذا الدرس.
ومن ثم يبدأ بإعادة تقرير الحقيقة الأولى ليرتب عليها آثارها الملازمة لها.. يبدأ بشهادة الله - سبحانه - ( أنه لا إله إلا هو ) وشهادة الملائكة وأولي العلم بهذه الحقيقة. ويقرر معها صفة الله المتعلقة بالقوامة، وهي قيامه بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون.
وما دام الله متفردا بالألوهية وبالقوامة فإن أول مستلزمات الإقرار بهذه الحقيقة، هو الإقرار بالعبودية لله وحده وتحكيمه في شأن العبيد كله ؛ واستسلام العبيد لإلههم، وطاعتهم للقيوم عليهم، واتباعهم لكتابه ولرسوله [ ص ].
ويضمن هذه الحقيقة قوله تعالى :( إن الدين عند الله الإسلام ).. فهو لا يقبل دينا سواه من أحد.. الإسلام الذي هو الاستسلام والطاعة والاتباع.. وإذن فليس الدين الذي يقبله الله من الناس هو مجرد تصور في العقل ؛ ولا مجرد تصديق في القلب. إنما هو القيام بحق هذا التصديق وذلك التصور.. هو تحكيم منهج الله في أمر العباد كله، وطاعتهم لما يحكم به، واتباعهم لرسوله في منهجه.
وهكذا.. يعجب من أهل الكتاب ويشهر بأمرهم.. إذ يدعون أنهم على دين الله. ثم ( يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ) ! ! ! مما ينقض دعوى التدين من الأساس. فلا دين يقبله الله إلا الإسلام. ولا إسلام بغير استسلام لله وطاعة لرسوله، واتباع لمنهجه، وتحكيم لكتابه في أمور الحياة..
ويكشف عن علة هذا الإعراض - الذي هو التعبير الواقعي عن عدم الإيمان بدين الله - فإذا هي عدم الاعتقاد بجدية " القسط " في الجزاء يوم الحساب :( ذلك بأنهم قالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ).. معتمدين على أنهم أهل كتاب ( وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ).. وهو غرور خادع. فما هم بأهل كتاب، وما هم بمؤمنين أصلا. وما هم على دين الله إطلاقا ؛ وهم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون.
وبهذا الجزم القاطع يقرر الله سبحانه في القرآن الكريم معنى الدين وحقيقة التدين.. فلا يقبل من العباد إلا صورة واحدة ناصعة قاطعة.. الدين : الإسلام. والإسلام : التحاكم إلى كتاب الله وطاعته واتباعه.. فمن لم يفعل فليس له دين، وليس مسلما ؛ وإن ادعى الإسلام وادعى أنه على دين الله. فدين الله يحدده ويقرره ويفسره الله، وليس خاضعا في تعريفه وتحديده لأهواء البشر.. كل يحدده أو يعرفه كما يشاء !
لا. بل إن الذي يتخذ الكفار أولياء - والكفار كما يقرر السياق هم الذين لا يقبلون التحاكم إلى كتاب الله - ( فليس من الله في شيء ).. ولا علاقة له بالله في شيء ولا صلة بينه وبين الله في شيء.. مجرد من يتولى وينصر أو يستنصر أولئك الكفار الذين يرفضون أن يتحاكموا إلى كتاب الله. ولو ادعوا أنهم على دين الله !
ويشتد التحذير من هذه الولاية التي تذهب بالدين من أساسه. ويضيف السياق إلى التحذير التبصير. تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة القوى التي تعمل في هذا الوجود. فالله وحده هو السيد المتصرف، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء.. وهذا التصريف لأمر الناس ليس إلا طرفا من التصريف لأمر الكون كله. فهو كذلك يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.. وهذا هو القيام بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون، فلا داعي إذن لولاية غيره من العباد، مهما يكن لهم من قوة ومن مال وأولاد.
ويشي هذا التحذير المؤكد المكرر بما كان واقعا في الجماعة المسلمة يومذاك من عدم وضوح الأمر تماما ؛ ومن تشبث بعضهم بصلاته العائلية والقومية والاقتصادية مع المشركين في مكة ومع اليهود في المدينة، مما اقتضى هذا التفسير والتحذير. كما أنه يشي بطبيعة ميل النفس البشرية إلى التأثر بالقوى البشرية الظاهرة، وضرورة تذكيرها بحقيقة الأمر وحقيقة القوى، إلى جانب إيضاح أصل العقيدة ومقتضياتها في واقع الحياة.
ويختم الدرس بكلمة حاسمة قاطعة : إن الإسلام هو طاعة الله والرسول. وإن الطريق إلى الله هو طريق الأتباع للرسول. وليس مجرد الاعتقاد بالقلب، ولا الشهادة باللسان :( قل : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله... ) ( قل : أطيعوا الله والرسول. فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ).. فإما طاعة واتباع يحبه الله، وإما كفر يكرهه الله.. وهذا هو مفرق الطريق الواضح المبين..
ويرتب على هذه الحقيقة التي عاد لتوكيدها مرتين في الآية الواحدة، نتيجتها الطبيعية.. الوهية واحدة. فلا عبودية إلا لهذه الألوهية الواحدة :
( إن الدين عند الله الإسلام. وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم. بغيا بينهم. ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب. فإن حاجوك فقل : أسلمت وجهي لله ومن اتبعن. وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين : أأسلمتم ؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما عليك البلاغ، والله بصير بالعباد )..
ألوهية واحدة.. وإذن فدينونة واحدة.. واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معه شيء في نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان الله.
ألوهية واحدة.. وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها ؛ وفي تطويعهم لأمرها ؛ وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها ؛ وفي وضع القيم والموازين لهم وأمرهم باتباعها ؛ وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها..
ألوهية واحدة.. وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها الله من عباده. عقيدة التوحيد الخالص الناصع.. ومقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا :
( إن الدين عند الله الإسلام )..
الإسلام الذي هو ليس مجرد دعوى، وليس مجرد راية، وليس مجرد كلمة تقال باللسان ؛ ولا حتى تصورا يشتمل عليه القلب في سكون ؛ ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام.. لا. فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس دينا سواه. إنما الإسلام الاستسلام. الإسلام الطاعة والاتباع. الإسلام تحكيم كتاب الله في أمور العباد.. كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل.
والإسلام توحيد الألوهية والقوامة.. بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات الله - سبحانه - وذات المسيح - عليه السلام - كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضا.. ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافا عنيفا يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال.. هنا يبين الله لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علة هذا الاختلاف :
( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم. بغيا بينهم ).
إنه ليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر. فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله، وتفرد الألوهية. وبطبيعة البشرية، وحقيقة العبودية.. ولكنهم إنما اختلفوا ( بغيا بينهم ) واعتداء وظلما ؛ حينما تخلوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه.
وقد رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية. وليس هذا إلا نموذجا مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية. وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما اليهما للحكم الروماني سببا في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر ! كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببا في ابتداع مذهب وسط، يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعا ! ! كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية ! وهذا هو البغي أشنع البغي. عن قصد وعن علم !
ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب :
( ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب )..
وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفرا ؛ وهدد الكافرين بسرعة الحساب ؛ كي لا يكون الإمهال - إلى أجل - مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف..