ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ، وَخَلَقَ الْأَرْزَاقَ قَبْلَ الْأَرْوَاحِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ، فَشَهِدَ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ كَانَ وَلَمْ تَكُنْ سَمَاءٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا بَرٌّ وَلَا بَحْرٌ (١) فَقَالَ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
وَقَوْلُهُ: وَالْمَلَائِكَةُ أَيْ وَشَهِدَتِ الْمَلَائِكَةُ قِيلَ: مَعْنَى شَهَادَةِ اللَّهِ الْإِخْبَارُ وَالْإِعْلَامُ، وَمَعْنَى شَهَادَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ الْإِقْرَارُ. قَوْلُهُ تَعَالَى وَأُولُو الْعِلْمِ يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ يَعْنِي: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عُلَمَاءُ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي جَمِيعَ عُلَمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. قَائِمًا بِالْقِسْطِ أَيْ بِالْعَدْلِ. وَنَظْمُ هَذِهِ الْآيَةِ شَهِدَ اللَّهُ قَائِمًا بِالْقِسْطِ، نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ: نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ أَيْ قَائِمًا بِتَدْبِيرِ الْخَلْقِ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ قَائِمٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ، أَيْ مُدَبِّرٌ لَهُ وَمُتَعَهِّدٌ لِأَسْبَابِهِ، وَقَائِمٌ بِحَقِّ فُلَانٍ أَيْ مُجَازٍ لَهُ فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُدَبِّرٌ رَازِقٌ مُجَازٍ بِالْأَعْمَالِ. لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ يَعْنِي الدِّينَ الْمَرْضِيَّ الصَّحِيحَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا " (٣ -الْمَائِدَةِ) وَقَالَ " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ " (٨٥ -آلِ عِمْرَانَ) وَفَتَحَ الْكِسَائِيُّ الْأَلِفَ مِنْ أَنَّ الدِّينَ رَدًّا عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيرُهُ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَشَهِدَ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، أَوْ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَكَسَرَ الْبَاقُونَ الْأَلِفَ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْإِسْلَامُ هُوَ الدُّخُولُ فِي السِّلْمِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ، يُقَالُ: أَسْلَمَ أَيْ دَخَلَ فِي السِّلْمِ وَاسْتَسْلَمَ، قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ أَوْلِيَاءَهُ [وَلَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ وَلَا يَجْزِي إِلَّا بِهِ] (٢).
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَمْرٍو الْفُرَاتِيُّ، أَنَا أَبُو مُوسَى عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، أَنَا عَمَّارُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ قَالَ: أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي تِجَارَةٍ فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الْأَعْمَشِ وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتُ لَيْلَةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَدِرَ إِلَى

(١) للعلماء في هذه المسألة قولان: فمنهم من قال بأن الله خلق الأرواح أولا، ومنهم من قال بأن الله تعالى خلق الأجساد أولا ولكل من الفريقين أدلة استدل بها على قوله. انظر: الروح لابن القيم ص (١٥٦ - ١٧٥).
(٢) ساقط من "أ".

صفحة رقم 18

الْبَصْرَةِ، فَإِذَا الْأَعْمَشُ قَائِمٌ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ثُمَّ قَالَ الْأَعْمَشُ: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ قَالَهَا مِرَارًا قُلْتُ لَقَدْ سَمِعَ فِيهَا شَيْئًا، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ وَوَدَّعْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ آيَةً تُرَدِّدُهَا فَمَا بَلَغَكَ فِيهَا؟ [قَالَ لِي: أَوَمَا بَلَغَكَ مَا فِيهَا؟ قُلْتُ: أَنَا عِنْدَكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَمْ تُحَدِّثْنِي] (١) قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُحَدِّثُكَ بِهَا إِلَى سَنَةٍ، فَكَتَبْتُ عَلَى بَابِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَأَقَمْتُ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ السَّنَةُ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ مَضَتِ السَّنَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لِعَبْدِي هَذَا عِنْدِي عَهْدًا، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِالْعَهْدِ، أَدْخِلُوا عَبْدِيَ الْجَنَّةَ" (٢).
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ َ قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حِينَ تَرَكُوا الْإِسْلَامَ أَيْ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ، يَعْنِي بَيَانَ نَعْتِهِ فِي كُتُبِهِمْ، وَقَالَ الرَّبِيعُ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إسرائيل فاستودعهم ٥٥/التوراة وَاسْتَخْلَفَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَلَمَّا مَضَى الْقَرْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ أَبْنَاءِ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ حَتَّى أَهْرَقُوا بَيْنَهُمُ الدِّمَاءَ، وَوَقَعَ الشَّرُّ وَالِاخْتِلَافُ، وَذَلِكَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ يَعْنِي بَيَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ بَغْيًا بَيْنَهُمْ أَيْ طَلَبًا لِلْمُلْكِ وَالرِّيَاسَةِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَبَابِرَةَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ وَمَعْنَاهَا وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَعْنِي الْإِنْجِيلَ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَرَّقُوا الْقَوْلَ فِيهِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ أَيْ لِلْمُعَادَاةِ وَالْمُخَالَفَةِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

(١) ساقط من المخطوط وأثبتناه من مجمع الزوائد.
(٢) قال السيوطي: أخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه والخطيب في تاريخه وابن النجار عن غالب القطان انظر: الدر المنثور للسيوطي ٢ / ١٦٦ وذكره الهيثمي في المجمع ٦ / ٣٢٥ - ٣٢٦ وقال: رواه الطبراني وفيه عمر بن المختار وهو ضعيف، وذكر ابن الجوزي له عدة روايات وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تفرد به عمر بن المختار، وعمر يحدث بالأباطيل قال العقيلي: لا يتابع عمار على حديثه ولا يعرف إلا به. انظر: العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لابن الجوزي: ١ / ١٠٢ - ١٠٣ ميزان الاعتدال للذهبي: ٣ / ٢٢٣.

صفحة رقم 19

معالم التنزيل

عرض الكتاب
المؤلف

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي

تحقيق

محمد عبد الله النمر

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1417
الطبعة الرابعة
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية