ثم ذكر الدستور العام الذي عليه المعول في كل دين فقال : إن الدين عند الله الإسلام
تفسير المفردات :
الدين له في اللغة عدة معان : منها الجزاء، والطاعة والخضوع، ومجموعة التكاليف التي بها يدين العباد لله- وما يكلف به العباد يسمى شرعا باعتبار وضعه وبيانه للناس، ودينا باعتبار الخضوع وطاعة الشارع، وملة باعتبار أنها أملت وكتبت- والإسلام يأتي بمعنى الخضوع والاستسلام، وبمعنى الأداء تقول أسلمت الشيء إلى فلان إذا أديته إليه، وبمعنى الدخول في السلم أي الصلح والسلامة، وتسمية الدين الحق إسلاما ما يناسب كل هذه المعاني وأولها أوفقها بالتسمية، يرشد إلى ذلك قوله تعالى : ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا .
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه جزاء المتقين، وشرح أوصافهم التي استحقوا بها هذا الجزاء- ذكر هنا أصول الإيمان وأسسه.
الإيضاح :
أي إن جميع الملل والشرائع التي جاء بها الأنبياء روحها الإسلام والانقياد والخضوع، وإن اختلفت في بعض التكاليف وصور الأعمال، وبه كان الأنبياء يوصون. فالمسلم الحقيقي من كان خالصا من شوائب الشرك، مخلصا في أعماله مع الإيمان من أي ملة كان، وفي أي زمان وجد، وهذا هو المراد بقوله عز اسمه ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه .
ذلك أن الله شرع الدين لأمرين :
١ تصفية الأرواح وتخليص العقول من شوائب الاعتقاد بسلطة غيبية للمخلوقات بها تستطيع التصرف في الكائنات لتسلم من الخضوع والعبودية لمن هم من أمثالها.
٢ إصلاح القلوب بحسن العمل وإخلاص النية لله وللناس.
وأما العبادات فإنما شرعت لتربية هذا الروح الخلقي ليسهل على صاحبه القيام بسائر التكاليف الدينية.
أخرج ابن جرير عن قتادة قال : الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله تعالى الذي شرع لنفسه وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به.
وخطب علي كرم الله وجهه قال : الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل، ثم قال : إن المؤمن أخذ دينه عن ربه، ولم يأخذه عن رأيه، إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله، والكافر يعرف كفره بإنكاره، أيها الناس دينكم دينكم، فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، إن السيئة فيه تغفر، وإن الحسنة في غيره لا تقبل.
*** وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم أي وما خرج أهل الكتاب من الإسلام الذي جاء به أنبياؤهم على نحو ما فصلناه آنفا، وصاروا مذاهب وشيعا يقتتلون في الدين – والدين واحد لا مجال فيه للاختلاف والاقتتال إلا بسبب البغي وتجاوز الحدود من الرؤساء، ولولا بغيهم ونصرهم مذهبا على مذهب وتضليلهم من خالفهم بتفسيرهم نصوص الدين بالرأي والهوى وتأويل بعضه أو تحريفه لما حدث هذا الاختلاف.
والتاريخ شهيد بأن الملوك والأحبار هم الذين جعلوا الدين المسيحي مذاهب ينقض بعضها بعضا، وجعلوا أهله شيعا يفتك بعضهم بعض. فأريوس وأتباعه الذين دعوا إلى التوحيد بعد فشو الشرك، قد حكم عليهم المجمع الذي ألفه الملك قسطنطين سنة ٣٢٥م بالإلحاد وإحراق كتبهم وتحريم اقتنائها، ولما انتشرت تعاليمه فيها بعد حكم تيودوسيوس الثاني بإبادة الآريوسية بقانون روماني صدر سنة ٦٢٨م، وبقيت مذاهب التثليث تتطاحن ويغالب بعضها بعضا.
والعبرة من هذا القصص أن نبتعد عن الخلاف في الدين والتفرق فيه إلى شيع ومذاهب كما فعل من قبلنا، ولكن وا آسفا وقعنا فيما وقع فيه السالفون، وتفرقنا طرائق قددا، وأصابنا من الخذلان والذل بسبب هذا التفرق ما لا نزال نئن منه، ونرجو أن يشملنا الله بعفوه ورحمته، ويمدنا بروح من عنده، فيسعى أهل الإيمان الصادق في نبذ الاختلاف والشقاق، والعودة إلى الوحدة والإتفاق، حتى يعود المسلمون إلى سيرتهم الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان.
ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب أي ومن يكفر بآيات الله الدالة على وجوب الاعتصام بالدين ووحدته وحرمة الاختلاف والتفرق فيه، ويترك الإذعان لها- فالله يجازيه ويعاقبه على ما اجترح من السيئات، والله سريع الحساب.
والمراد بآيات الله هنا هي آياته التكوينية في الأنفس والآفاق، ويدخل في ترك الإذعان لها صرفها عن وجهها لتوافق مذاهب أهل الزيغ والإلحاد وآياته التشريعية التي أنزلها على رسله.
تفسير المراغي
المراغي