أخرج ابن جرير من طريق سعيد وعكرمة عن ابن عباس قال : كان الحجاج بن عمرو حليفا لعمرو بن الأشرف وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنونهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر : اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء نهوا عن موالاتهم بقرابة أو صداقة ونحو ذلك أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية من دون المؤمنين فيه إشارة إلى أن ولايتهم لا تجتمع مع ولاية المؤمنين لأجل منافاة بين ولاية المتعادين ففي ولاية الكفار قبح بالذات وقبح بالعرض بالحرمان عن ولاية المؤمنين، وذكر البغوي قول مقاتل أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة، وذكر قول الكلبي عن أبي صالح : أنها نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون المشركين و اليهود يأتونهم بالأخبار يرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية ونهى المؤمنين عن فعل مثل فعلهم.
( فصل ) الحب في الله و البغض في الله باب عظيم من أبواب الإيمان عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المرء مع من أحب " (١) متفق عليه، وعن أنس مرفوعا نحوه بلفظ " أنت مع من أحببت " (٢) متفق عليه، عن أبي موسى قال : قال رسول الله عليه وسلم :" مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة " (٣) متفق عليه، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر :" يا أبا ذر أي عرى الإيمان أوثق ؟ قال : الله ورسوله أعلم، قال : الموالاة في الله والحب في الله والبغض في الله " رواه البيهقي في الشعب، وعن أبي ذر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن أحب الأعمال إلى الله تعالى الحب في الله و البغض في الله " (٤) رواه أحمد وأبو داود وفي الباب أحاديث كثيرة ومن يفعل ذلك أي اتخاذهم أولياء فليس الضمير المرفوع عائد إلى من يفعل من الله حال من شيء قدم عليه لتنكيره في شيء خبر ليس، والتنكير للتحقير يعني ليس وهو كائنا في شيء حقير من ولاية الله أو من دين الله يعني كما أن ولاية الكفار لا يجتمع ولاية المؤمنين كذلك لا يجتمع ولاية الله أيضا، ولو قال من دون الله والمؤمنين لأفاد ذلك الفائدة مع الاختصار لكن المقصود كمال المبالغة في البعد عن ولاية الله إلا أن تتقوا استثناء مفرغ منصوب على الظرفية، وهو من حيث المعنى متعلق بكلا الجملتين السابقتين ومن حيث اللفظ بإحداها مقدر للأخرى كما هو دأب التنازع يعني لا يجوز موالاة الكفار في شيء من الأوقات إلاّ وقت أن تتقوا منهم، ومن يفعل ذلك ليس هو من أولياء الله في شيء من الأوقات إلا وقت الاتقاء، والاتقاء افتعال من الوقاية يعني وقاية نفسه من شرهم ويلزمه الخون ولأجل ذلك قيل معناه إلا أن تخافوا منهم تقاة كذا قرأ الجمهور وقرأ مجاهد ويعقوب تقية على وزن فعلية وعلى التقديرين مصدر من غير باب الفعل يقال توقيته تقاة وتقى وتقية وتقوى، وإذا قلت اتقيت كان مصدره اتقاء ثم المصدر جاز أن يكون بمعناه ويكون منصوبا على المصدرية، والمعنى لا يجوز موالاة الكفار في شيء من الأوقات إلا وقت أن تتقوا أنفسكم منهم أي من شرهم تقاة وجاز أن يكون بمعنى المفعول فالمعنى إلا وقت أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، ومقتضى الاستثناء إباحة موالاتهم وقت الخوف من شرهم، ولا شك أن الضروري يتقدر بقدر الضرورة، فلا يجوز حينئذ إلا إظهار المولاة دون إبطانها، ولا يجوز حينئذ أن يستحل دما أو مالا حراما أو ارتكاب معصية، أو يظهر الكفار على عورات المسلمين أو يطلعهم على أسرار المؤمنين، وأنكر قوم التقية بعد ظهور الإسلام، قال معاذ بن جبل : كانت التقية في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة الإسلام فأما اليوم فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم. ثم بالغ سبحانه في المنع عن ولاية الكفار وزاد على نفي ولاية المؤمنين ونفي ولاية الله عمن تولى بالكفار بالوعيد فقال ويحذركم الله نفسه أي يخوفكم سخطه وعقابه في موالاة الكفار وذكر النفس ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى فلا يبالي بما يخاف أحدكم من الكفار فهذا وعيد شديد مشعر بالتناهي في القبح وإلى الله المصير أي مصيركم إليه تعالى لا تفوتونه وهذا وعيد آخر.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: علامة الحب في الله عز وجل (٦١٧١) وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: المرء مع من أحب (٢٦٣٩)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الذبائح والصيد، باب المسك (٥٥٣٤) وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب مجالسة الصالحين (٢٦٢٨)..
٤ أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: مجانبة أهل الأهواء وبغضهم (٤٥٨٧)..
التفسير المظهري
المظهري