ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

ولما كان العز ينال بصحبة أهل العز، والذل ينال كذلك، حذر الحق تعالى من صحبة أهل الذل، فقال :
لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُواءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ
قلت : تُقاة : مصدر تَقَى، على وزن فَعَل، وله مصدران آخران : تُقّى وتَقِيَّة - بتشديد الياء -، وبه قرأ يعقوب، وأصله : تُقِيَة، فقلبت الياء ألفاً ؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها.
يقول الحقّ جلّ جلاله : لقوم من الأنصار، كانوا يُوالون اليهود ؛ لقرابة أو صداقة تقدمت في الجاهلية : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ، أي : أصدقاء، إذ الحب إنما يكون في الله والبغض في الله، أو لا تستعينوا بهم في غزو ولا غيره، فلا تودوهم من دون المؤمنين ؛ إذ هم أحق بالمودة، ففيهم مَنْدُوحة عن مولاة الكفرة، ومن يفعل ذلك الاتخاذ فليس من ولاية الله في شيء ؛ إذ لا تجتمع ولاية الله مع ولاية عدوه. قال الشاعر :

تَوَدُّ عَدُوِّي ثُمِّ تَزْعُمُ أنَّني صَدِيقكَ، لَيْسَ النّوْك عَنْكَ بِعَازِبِ
والنُّوك - بضم النون - : الحُمْق.
فلا تُوالوا الكفار إلا أن تتقوا منهم تقاة أيْ : إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه، فلا بأس بمداراتهم ظاهراً، والبعد منهم باطناً، كما قال عيسى عليه السلام :( كن وَسَطاً وامْشِ جانباً ). وقال ابن مسعود رضي الله عنه : خالطوا الناس وزايلوهم، وصافحوهم بما يشتهون، ودينكم لا تَثْلُموه. وقال جعفر الصادق : إني لأسمع الرجل يشتمني في المسجد، فأستتر منه بالسارية لئلا يراني. ه. ويحذركم الله نفسه أي : يخوفكم عذابه على موالاة الكفار ومخالفة أمره وارتكاب نهيه، تقول العرب : احذرنا فلاناً : أي : ضرره لا ذاته، وفي ذكر النفس زيادة تهديد يُؤذِن بعقاب يصدر منه بلا واسطة، وإلى الله المصير ؛ فيحسر كل قوم مَن أحب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : لا ينبغي للمريد الصادق أن يخالط أهل الغفلة، ولا يتودد معه ؛ فإن ذلك يقطعه عن ربه، ويصده عن دواء قلبه، وفي ذلك يقول صاحب العينية :
وَقَاطِعْ لِمَنْ وَاصَلْتَ أيَّامَ غَفْلَةٍ فَمَا وَاصَلَ العُذالَ إلاَّ مُقَاطِعُ
وَجَانِب جَنَابَ الأَجْنَبِي لَو أنَّهُ لِقُربِ انْتِسَابِ فِي المَنَامِ مُضَاجع
فَلِلنَّفْسِ مِنْ جُلاَّسِهَا كُلُّ نِسْبَةٍ وَمِنْ خُلَّةٍ لِلْقَلْبِ تِلْكَ الطَّبَائِعُ
إلا أن يتقي منهم تقية، بحيث تلجئه الضرورة إلى مخالطتهم، فيخالطهم بجسمه ويفارقهم بقلبه، وقد حذَّر الصوفية من صحبة أرْبَع طوائف : الجبابرة المتكبرون، والقراء المداهنون، والمتفقرة الجاهلون، والعلماء المتجمدون ؛ لأنهم مُولَعون بالطعن على أولياء الله، يرون ذلك قربة تُقربهم إلى الله.
ثم قال : ويحذركم الله نفسه أن تقصدوا معه غيره، وهذا خطاب للسائرين بدليل تعقيبه بقوله : وإلى الله المصير أي : إليه ينتهي السير وإليه يكون الوصال، ثم شدد عليهم في المراقبة فقال : إن تُخفوا ما في صدوركم من الميل أو الركون إلى الغير أو الوقوف عن السير، أو تبدوه يعلمه الله ؛ فينقص عنكم المدد بقدر ذلك الميل، يظهر ذلك يوم الدخول إلى بلاد المشاهدة، يوم تجد كل نفس ما قدمت من المجاهدة، فبقدر المجاهدة تكون المشاهدة. ثم خاطب الواصلين فقال : ويحذركم الله نفسه من أن تشهدوا معه سواه، فلو كُلّف الواصل أن يشهد غيره لم يستطع، إذ لا غير معه حتى يشهده. ويدل على أن الخطاب هنا للواصلين تعقيبه بالمودة والرأفة، اللائقة بالواصلين المحبوبين العارفين الكاملين. خرطنا الله في سلكهم بمنِّه وكرمه.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير