لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير { ٢٨ قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير ٢٩ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد ٣٠ }.
تفسير المفردات
الأولياء واحدهم ولي وهو النصير،
تقاة : أي اتقاء وخوفا،
ويحذركم : أي يخوفكم.
المعنى الجملي
بعد أن نبه الله نبيه والمؤمنين إلى الالتجاء إليه، مع الاعتراف بأن بيده الملك والعز والسلطان المطلق في تصريف الكون فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء أرشدهم في هذه الآيات إلى أن من الغرور أن يعتز أحد بغير الله، وأن يلتجئ إلى غير جنابه.
وقد روى أرباب السير أن بعض الذين كانوا يدخلون في الإسلام يغترون بعزة الكافرين وقوتهم فيوالونهم ويركنون إليهم، وليس هذا بالمستغرب بل هو أمر طبيعي في البشر.
وروي عن ابن عباس أنه قال : كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس ابن زيد من اليهود يباطنون يلازمون نفرا من الأنصار يفتنونهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر، اجتنبوا هؤلاء اليهود فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله الآية.
الإيضاح
لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أي لا يصطف المؤمنون الكافرين فيكاشفوهم بالأسرار الخاصة بالشؤون الدينية ويقدموا مصلحتهم على مصلحة المؤمنين، إذ في هذا تفضيل لهم عليهم وإعانة للكفر على الإيمان.
وخلاصة هذا – نهي المؤمنين عن موالاة الكافرين لقرابة أو صداقة جاهلية أو جوار أو نحو ذلك من أسباب المصادقة والمعاشرة، بل ينبغي أن يراعوا ما هم عليه مما يقتضيه الإسلام من الحب والبغض لمصلحة الدين فحسب، ومن ثم تكون موالاة المؤمنين أجدى لهم في دينهم من موالاة الكافرين.
فإن كانت الموالاة والمحالفة لمصلحة المسلمين فلا مانع منها، فقد حالف النبي صلى الله عليه وسلم خزاعة وهم على شركهم، كما لا مانع من ثقة المسلم بغيره وحسن معاملته في أمور الدنيا.
ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء أي ومن يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فيما يضر مصلحة الدين فليس من ولاية الله في شيء، أي فليس بمطيع له ولا ناصر لدينه، وصلة الإيمان بينه وبين ربه تكون منقطعة، ويكون من الكافرين كما جاء في الآية الأخرى ومن يتولهم منكم فإنه منهم .
إلا أن تتقوا منهم تقاة أي إن ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلا في حال الخوف من شيء تتقونه منهم، فلكم حينئذ أن تتقوهم بقدر ما يتقى ذلك الشيء، إذ القاعدة الشرعية " أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ".
وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين، وإذا فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الأولى إما بدفع ضرر أو جلب منفعة، وليس لها أن تواليها في شيء يضر بالمسلمين، ولا تختص هذه الموالاة بحال الضعف، بل هي جائزة في كل وقت.
وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحق لأجل توقي ضرر من الأعداء يعود إلى النفس أو العرض أو المال.
فمن نطق بكلمة الكفر مكرها وقاية لنفسه من الهلاك، وقلبه مطمئن بالإيمان لا يكون كافرا بل يعذر كما فعل عمار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرها وقلبه مليء بالإيمان وفيه نزلت الآية من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم .
وكما عذر الصحابي الذي قال له مسيلمة : أتشهد أني رسول الله ؟ قال نعم فتركه وقتل رفيقه الذي سأله هذا السؤال فقال إني أصم ثلاثا فقدمه وقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئا له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه.
وهي من الرخص لأجل الضرورات العارضة، لا من أصول الدين المتبعة دائما، ومن ثم وجب على المسلم الهجرة من المكان الذي يخاف فيه من إظهار دينه ويضطر فيه إلى التقية، ومن كمال الإيمان ألا يخاف في الله لومة لائم كما قال تعالى فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وقال : فلا تخشوا الناس واخشون .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتحملون الأذى في سبيل دعوة الدين ويصبرون عليه.
ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة وإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم وبذل المال لهم لكف أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعد هذا من الموالاة المنهي عنها بل هو مشروع ؛ فقد أخرج الطبراني قوله صلى الله عليه وسلم ( ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة ) وعن عائشة قالت : استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة ) ثم أذن له فألان له القول، فلما خرج قلت يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول، فقال يا عائشة :( إن من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه ). رواه البخاري.
وروى قوله صلى الله عليه وسلم :( إنا لنكشر نبتسم في وجوه قوم وإن قلوبنا لتقليهم ) تبغضهم .
ويحذركم الله نفسه أي عقاب نفسه، وفائدة ذكر نفسه الإيماء إلى أن الوعيد صادر منه تعالى وهو القادر على إنفاذه ولا يعجزه شيء عنه.
وفي ذلك تهديد عظيم لمن تعرض لسخطه بموالاة أعدائه، لأن شدة العقاب بحسب قوة المعاقب وقدرته.
وإلى الله المصير أي وإلى الله مرجع الخلق وجزاؤهم، فيجزى كلا بما عمل.
المعنى الجملي
بعد أن نبه الله نبيه والمؤمنين إلى الالتجاء إليه، مع الاعتراف بأن بيده الملك والعز والسلطان المطلق في تصريف الكون فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء أرشدهم في هذه الآيات إلى أن من الغرور أن يعتز أحد بغير الله، وأن يلتجئ إلى غير جنابه.
وقد روى أرباب السير أن بعض الذين كانوا يدخلون في الإسلام يغترون بعزة الكافرين وقوتهم فيوالونهم ويركنون إليهم، وليس هذا بالمستغرب بل هو أمر طبيعي في البشر.
وروي عن ابن عباس أنه قال : كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس ابن زيد من اليهود يباطنون يلازمون نفرا من الأنصار يفتنونهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر، اجتنبوا هؤلاء اليهود فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله الآية.
تفسير المراغي
المراغي