ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً
وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مِثَالُهُ: جَاءَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ تِلْكَ الْآيَةِ الَّتِي نَبَّهَ اللهُ فِيهَا النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ إِلَى الِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ مُعْتَرِفِينَ أَنَّ بِيَدِهِ الْمُلْكَ وَالْعِزَّ وَمَجَامِعَ الْخَيْرِ وَالسُّلْطَانَ الْمُطْلَقَ فِي تَصْرِيفِ الْكَوْنِ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ، فَإِذَا كَانَتِ الْعِزَّةُ وَالْقُوَّةُ لَهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - فَمِنَ الْجَهْلِ وَالْغُرُورِ أَنْ يُعْتَزَّ بِغَيْرِهِ مِنْ دُونِهِ، وَأَنْ يُلْتَجَأَ إِلَى غَيْرِ جَنَابِهِ، أَوْ يَذِلَّ الْمُؤْمِنُ فِي غَيْرِ بَابِهِ، وَقَدْ نَطَقَتِ السِّيَرُ بِأَنَّ بَعْضَ الَّذِينَ كَانُوا يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ يَقَعُ مِنْهُمْ قَبْلَ الِاطْمِئْنَانِ بِالْإِيمَانِ اغْتِرَارٌ بِعِزَّةِ الْكَافِرِينَ وَقُوَّتِهِمْ وَشَوْكَتِهِمْ، فَيُوَالُونَهُمْ وَيَرْكَنُونَ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ فِي الْبَشَرِ.
قَالَ: وَذَكَرُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ. وَقِصَّتُهُ مَعْرُوفَةٌ وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ (زَعِيمِ الْمُنَافِقِينَ) وَقِيلَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُوَالُونَ بَعْضَ الْيَهُودِ، وَمَهْمَا كَانَ السَّبَبُ فِي نُزُولِهَا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي كُلِّ دَعْوَةٍ أَنْ يُوجَدَ فِي الْمُسْتَجِيبِينَ لَهَا الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، عَلَى أَنَّ مَظَاهِرَ الْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ تَغُرُّ بَعْضَ الصَّادِقِينَ، وَتُؤَثِّرُ فِي نُفُوسِ بَعْضِ الْمُخْلِصِينَ فَمَا بَالُكَ بِغَيْرِهِمْ! وَلِذَلِكَ نَهَى اللهُ - تَعَالَى - الْمُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَقَدْ وَرَدَ بِمَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ آيَاتٌ أُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْسِيرِهَا تَفْسِيرًا تَتَّفِقُ بِهِ مَعَانِيهَا.
أَقُولُ: قِصَّةُ حَاطِبٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا مُسْنَدَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَمُلَخَّصُهَا: " أَنَّ حَاطِبًا كَتَبَ كِتَابًا لِقُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ فِيهِ بِاسْتِعْدَادِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلزَّحْفِ عَلَى مَكَّةَ

صفحة رقم 227

إِذْ كَانَ يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِهَا وَكَانَ يَكْتُمُ ذَلِكَ لِيَبْغَتَ قُرَيْشًا عَلَى غَيْرِ اسْتِعْدَادٍ مِنْهَا فَتُضْطَرُّ إِلَى
قَبُولِ الصُّلْحِ - وَمَا كَانَ يُرِيدُ حَرْبًا - وَأَرْسَلَ حَاطِبٌ كِتَابَهُ مَعَ جَارِيَةٍ وَضَعَتْهُ فِي عِقَاصِ شَعْرِهَا فَأَعْلَمَ اللهُ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهَا عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ وَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ قَالَ: يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ! إِنِّي كُنْتُ حَلِيفًا لِقُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قُرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ وَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلِهِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، قَالُوا: وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ [٦٠: ١] إِلَخْ. وَلَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي نُفَسِّرُهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ، فَلَعَلَّ مَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ سَهْوٌ ; سَبَبُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَمَا نَزَلْ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ يَشْتَرِكَانِ فِي النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ، وَمَا نَزَلَ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ - وَهُوَ مُعْظَمُ سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ - يُفَسِّرُ لَنَا أَوْ يُفَصِّلُ جَمِيعَ الْآيَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ; لِأَنَّ مَا فِي سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ مُفَصَّلٌ، وَهُوَ مِنْ آخِرِهَا أَوْ آخِرُهَا نُزُولًا، وَمَا عَدَاهُ مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ الْمُفَصَّلُ.
يَزْعُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِالْهَوَى فِي الرَّأْيِ أَنَّ آيَةَ آلِ عِمْرَانَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ النَّهْيِ الْعَامِّ أَوِ الْخَاصِّ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [٥: ٥١] يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُخَالِفُوا أَوْ يَتَّفِقُوا مَعَ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ أَوْ الِاتِّفَاقُ لِمَصْلَحَتِهِمْ، وَفَاتَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُحَالِفًا لِخُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ، بَلْ يَزْعُمُ بَعْضُ الْمُتَحَمِّسِينَ فِي الدِّينِ - عَلَى جَهْلٍ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحْسِنَ مُعَامَلَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ أَوْ مُعَاشَرَتَهُ أَوْ يَثِقُ بِهِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَقَدْ جَاءَتْنَا وَنَحْنُ نَكْتُبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِحْدَى الصُّحُفِ فَرَأَيْنَا فِي أَخْبَارِهَا الْبَرْقِيَّةَ أَنَّ الْأَفْغَانِيِّينَ الْمُتَعَصِّبِينَ سَاخِطُونَ عَلَى أَمِيرِهِمْ أَنْ عَاشَرَ الْإِنْكِلِيزَ فِي الْهِنْدِ وَوَاكَلَهُمْ وَلَبِسَ زِيَّ الْإِفْرِنْجِ، وَأَنَّهُمْ عَقَدُوا اجْتِمَاعًا حَكَمُوا فِيهِ
بِكُفْرِهِ وَوُجُوبِ خَلْعِهِ مِنَ الْإِمَارَةِ، فَأُرْسِلَتِ الْجُنُودُ لِتَفْرِيقِ شَمْلِهِمْ، فَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْمُتَحَمِّسِينَ الْجَاهِلِينَ أَضَرُّ الْخَلْقِ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، بَلْ أَبْعَدُ عَنْ حَقِيقَتِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَالَمِينَ، وَمَاذَا فَهِمَ أَمْثَالُ أُولَئِكَ الْأَفْغَانِيِّينَ مِنَ الْقُرْآنِ، عَلَى عُجْمَتِهِمْ وَجَهْلِهِمْ بِأَسَالِيبِهِ وَبِعَمَلِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ بِهِ!
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ مَا مِثَالُهُ مَبْسُوطًا: الْأَوْلِيَاءُ: الْأَنْصَارُ، وَالِاتِّخَاذُ يُفِيدُ مَعْنَى

صفحة رقم 228

الِاصْطِنَاعِ. وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مُكَاشَفَتِهِمْ بِالْأَسْرَارِ الْخَاصَّةِ بِمَصْلَحَةِ الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَيْدٌ فِي الِاتِّخَاذِ، أَيْ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ وَأَنْصَارًا فِي شَيْءٍ تُقَدَّمُ فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ عَلَى مَصْلَحَةِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ كَمَا فَعَلَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) لِأَنَّ فِي هَذَا اخْتِيَارًا لَهُمْ وَتَفْضِيلًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ فِيهِ إِعَانَةٌ لِلْكُفْرِ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَوْ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ، مِنْ شَأْنِ هَذَا أَلَّا يَصْدُرَ مِنْ مُؤْمِنٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ لَهُ ; لِذَلِكَ هَمَّ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - بِقَتْلِ حَاطِبٍ وَسَمَّاهُ مُنَافِقًا لَوْلَا أَنْ نَهَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ وَذَكَّرَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ. أَقُولُ: وَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ لَمْ يَحْكُمْ بِكُفْرِ حَاطِبٍ فِي مُوَالَاةِ الْمُشْرِكِينَ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ النَّهْيِ فَكَيْفَ نُكَفِّرُ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ مِثْلَ أَمِيرِ الْأَفْغَانَ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ إِلَّا مَا أَبَاحَهُ اللهُ لَهُ. مِنْ أَكْلٍ وَلِبَاسٍ وَمُجَامَلَةٍ لِحُكُومَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - وَهُمْ أَقْرَبُ إِلَيْنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - وَمُجَامَلَتُهُ لَهَا لَيْسَتْ مُوَالَاةً لَهَا مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (أَيْ: ضِدُّهُمْ كَمَا يَقُولُ أَهْلُ الْعَصْرِ) وَإِنَّمَا هِيَ مُوَالَاةٌ لِمَصْلَحَتِهِمُ الَّتِي تَتَّفِقُ مَعَ مَصْلَحَتِهَا، وَهُمْ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنْهَا إِلَيْهِمْ.
عَوْدٌ إِلَى كَلَامِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ: وَقَالَ - تَعَالَى - فِي آيَةٍ أُخْرَى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ [٥٨: ٢٢] الْآيَةَ، فَالْمُوَادَّةُ مُشَارَكَةٌ فِي الْأَعْمَالِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي شَأْنٍ مِنْ شُئُونِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُؤْمِنُونَ، وَالْكَافِرِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ كَافِرُونَ فَالْمَمْنُوعُ مِنْهَا مَا يَكُونُ فِيهِ خِذْلَانٌ لِدِينِكَ وَإِيذَاءٌ لِأَهْلِهِ أَوْ إِضَاعَةٌ لِمَصَالِحِهِمْ، وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ كَالتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ ضُرُوبِ الْمُعَامَلَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا تَدْخُلَ فِي ذَلِكَ النَّفْيِ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعَامَلَةً فِي مُحَادَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، أَيْ فِي مُعَادَاتِهِمَا وَمُقَاوَمَةِ دِينِهِمَا.
أَقُولُ: وَإِذَا رَجَعَ الْمُؤْمِنُ إِلَى سُورَةِ الْمُمْتَحِنَةِ (٦٠) الَّتِي فُصِّلَتْ فِيهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ
مَا لَمْ تُفَصَّلْ فِي غَيْرِهَا يَجِدُ الْآيَةَ الْأُولَى - وَقَدْ تَقَدَّمَ صَدْرُهَا فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ - تُقَيِّدُ النَّهْيَ عَنْ مُوَالَاةِ أَعْدَاءِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِلْقَاءِ الْمَوَدَّةِ إِلَيْهِمْ بِكَوْنِهِمْ كَفَرُوا كُفْرًا حَمَلَهُمْ عَلَى إِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَطَنِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِاللهِ، فَكُلُّ شَعْبٍ حَرْبِيٍّ يُعَامِلُ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ تَحْرُمُ مُوَالَاتُهُ قَطْعًا، ثُمَّ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَى عَنْ مُوَالَاتِهِمْ بِأَنَّهُمْ إِنْ يَثْقَفُوا الْمُؤْمِنِينَ يُعَادُوهُمْ وَيُؤْذُوهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ ثُمَّ قَالَ: عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [٦٠: ٧ - ٩] فَالْبَصِيرُ يَرَى أَنَّ الْقُرْآنَ يَجْعَلُ الْمَوَدَّةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ آذَوُا الرَّسُولَ وَمَنْ آمَنَ بِهِ أَشَدَّ الْإِيذَاءِ وَأَخْرَجُوهُمْ

صفحة رقم 229

مِنْ دِيَارِهِمْ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مَرْجُوَّةً. وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْهَاهُمْ عَنِ الْبِرِّ وَالْقِسْطِ إِلَى مَنْ لَيْسُوا كَذَلِكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا، وَأَبْعَدُ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِحَصْرِ النَّهْيِ فِي الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ فِي الدِّينِ ; أَيْ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَسَاعَدُوا عَلَى إِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُ خَصَّ هَذَا النَّهْيَ بِتَوَلِّيهِمْ وَنَصْرِهِمْ لَا بِمُجَامَلَتِهِمْ وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهِمْ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالْعَدْلِ، وَهَذَا مُنْتَهَى الْحِلْمِ وَالسَّمَاحِ بَلِ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ.
وَلَا تَنْسَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ فِي عُنْفُوَانِ طُغْيَانِهِمْ وَاعْتِدَائِهِمْ، وَقَدْ عَمِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَوْمَ الْفَتْحِ بِهَذِهِ الْوَصَايَا فَعَفَا عَنْ قُدْرَةٍ، وَحَلُمَ عَنْ عِزَّةٍ وَسُلْطَةٍ. وَقَالَ: أَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ وَأَحْسَنَ إِلَى الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَمِثْلُهُ أَهْلٌ لِلْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَلَقَدْ كَانَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَلَكِنْ بَعُدَ مُتَحَمِّسُو الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ عَنْ سُنَّتِهِ وَعَنْ كِتَابِ اللهِ الَّذِي تَأَدَّبَ هُوَ بِهِ. اللهُمَّ اهْدِ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِهِدَايَةِ كِتَابِكَ لِيَكُونُوا بِحُسْنِ عَمَلِهِمْ حُجَّةً لَهُ بَعْدَ مَا صَارَ أَكْثَرُهُمْ بِسُوءِ الْعَمَلِ حُجَّةً عَلَيْهِ.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَيَتَّخِذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ وَأَنْصَارًا مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا يُخَالِفُ مَصْلَحَتَهُمْ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُؤْمِنُونَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ أَيْ فَلَيْسَ
مِنْ وِلَايَةِ اللهِ فِي شَيْءٍ قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَوِلَايَةُ اللهِ مِنَ الْعَبْدِ طَاعَتُهُ وَنَصْرُ دِينِهِ، وَمِنَ اللهِ مَثُوبَتُهُ وَرِضْوَانُهُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: مَعْنَى الْعِبَارَةِ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ غَايَةُ الْبُعْدِ ; أَيْ تَنْقَطِعُ صِلَةُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ - تَعَالَى - ; أَيْ فَيَكُونَ مِنَ الْكَافِرِينَ كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [٥: ٥١] أَوْ مَعْنَاهُ فَيَكُونُ عَدُوًّا لِلَّهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأُسْتَاذُ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَعَمِّ الْأَحْوَالِ ; أَيْ إِنَّ تَرْكَ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتْمٌ فِي كُلِّ حَالٍ إِلَّا فِي حَالِ الْخَوْفِ مِنْ شَيْءٍ تَتَّقُونَهُ مِنْهُ، فَلَكُمْ حِينَئِذٍ أَنْ تُوَالُوهُمْ بِقَدْرِ مَا يُتَّقَى بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ ; لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَهَذِهِ الْمُوَالَاةُ تَكُونُ صُورِيَّةً ; لِأَنَّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ لَا عَلَيْهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تُوَالُوهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لَكُمْ أَنْ تَتَّقُوا ضَرَرَهُمْ بِمُوَالَاتِهِمْ، وَإِذَا جَازَتْ مُوَالَاتُهُمْ لِاتِّقَاءِ الضَّرَرِ فَجَوَازُهَا لِأَجْلِ مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ أَوْلَى ; وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِحُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُحَالِفُوا الدُّوَلَ غَيْرَ الْمُسْلِمَةِ لِأَجْلِ فَائِدَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِدَفْعِ الضُّرِّ أَوْ جَلْبِ الْمَنْفَعَةِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُوَالُوهُمْ فِي شَيْءٍ يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ رَعِيَّتِهِمْ، وَهَذِهِ الْمُوَالَاةُ لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتِ الضَّعْفِ، بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ

صفحة رقم 230

أَقُولُ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْآيَةِ عَلَى جَوَازِ التَّقِيَّةِ وَهِيَ مَا يُقَالُ أَوْ يُفْعَلُ مُخَالِفًا لِلْحَقِّ لِأَجَلِ تَوَقِّي الضَّرَرِ، وَلَهُمْ فِيهَا تَعْرِيفَاتٌ وَشُرُوطٌ وَأَحْكَامٌ، فَقِيلَ: إِنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ. وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ التَّقِيَّةُ لِأَجْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَالِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا خَاصَّةٌ بِحَالِ الضَّعْفِ. وَقِيلَ: بَلْ عَامَّةٌ، وَيُنْقَلُ عَنِ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ مَنَعُوا التَّقِيَّةَ فِي الدِّينِ مُطْلَقًا - وَإِنْ أُكْرِهَ الْمُؤْمِنُ وَخَافَ الْقَتْلَ - لِأَنَّ الدِّينَ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [١٦: ١٠٦، ١٠٧] فَمَنْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مُكْرَهًا وِقَايَةً لِنَفْسِهِ مِنَ الْهَلَاكِ لَا شَارِحًا بِالْكُفْرِ صَدْرًا وَلَا
مُسْتَحْسِنًا لِلْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ لَا يَكُونُ كَافِرًا، بَلْ يُعْذَرُ كَمَا عُذِرَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (١٦: ١٠٦) وَكَمَا عُذِرَ الصَّحَابِيُّ الَّذِي سَأَلَهُ هَذَا السُّؤَالَ فَقَالَ: " إِنِّي أَصَمُّ " ثَلَاثًا. وَيُنْقَلُ عَنِ الشِّيعَةِ أَنَّ التَّقِيَّةَ عِنْدَهُمْ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ جَرَى عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ، وَيُنْقَلُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ أُمُورٌ مُتَنَاقِضَةٌ مُضْطَرِبَةٌ وَخُرَافَاتٌ مُسْتَغْرَبَةٌ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ نَقْلُ الْمُخَالِفِ مِنَ الظِّنَّةِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى، وَلَيْسَ فِي تَفْسِيرِنَا هَذَا مَوْضِعٌ لِلْمُنَاقَشَاتِ وَالْجَدَلِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ. وَقُصَارَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّقِيَ مِنْ مَضَرَّةِ الْكَافِرِينَ، وَقُصَارَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ النَّحْلِ (١٦: ١٠٦) مَا تَقَدَّمَ آنِفًا. وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرُّخَصِ لِأَجْلِ الضَّرُورَاتِ الْعَارِضَةِ لَا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ الْمُتَّبَعَةِ دَاالبئِمًا ; وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يُخَافُ فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَيُضْطَرُّ فِيهِ إِلَى التَّقِيَّةِ، وَمِنْ عَلَامَةِ الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ أَلَّا يَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. قَالَ - تَعَالَى -: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [٥: ٤٤] وَقَالَ: فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [٣: ١٧٥] وَكَانَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ يَتَحَمَّلُونَ الْأَذَى فِي ذَاتِ اللهِ وَيَصْبِرُونَ.
وَأَمَّا الْمُدَارَةُ فِيمَا لَا يَهْدِمُ حَقًّا وَلَا يَبْنِي بَاطِلًا فَهِيَ كَيَاسَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، يَقْتَضِيهَا أَدَبُ الْمُجَالَسَةِ مَا لَمْ تَنْتَهِ إِلَى حَدِّ النِّفَاقِ وَيُسْتَجَزْ فِيهَا الدِّهَانُ وَالِاخْتِلَاقُ، وَتَكُونُ مُؤَكَّدَةً فِي خِطَابِ السُّفَهَاءِ تَصَوُّنًا مِنْ سَفَهِهِمْ، وَاتِّقَاءً لِفُحْشِهِمْ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا عِنْدَهُ - فَقَالَ: بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ أَخُو الْعَشِيرَةِ. ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فَأَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ مِنْ أَشَّرِ النَّاسِ مَنْ يَتْرُكُهُ النَّاسُ أَوْ يَدَعُهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: " إِنَّا لَنُكْشِرُ فِي وُجُوهِ

صفحة رقم 231

قَوْمٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ " وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: " وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتُقْلِيهِمْ " أَيْ تُبْغِضُهُمْ. وَلَا يَجْهَلُ أَحَدٌ أَنَّ إِلَانَةَ الْقَوْلِ أَوِ الْكَشْرَ فِي الْوُجُوهِ، أَيِ التَّبَسُّمَ هُمَا مِنْ أَدَبِ الْمَجْلِسِ يَنْبَغِي بَذْلُهُمَا لِكُلِّ جَلِيسٍ، وَلَا يُعَدَّانِ مِنَ النِّفَاقِ وَلَا مِنَ الدِّهَانِ، وَلَا يُنَافِيَانِ أَمْرَ اللهِ لِنَبِيِّهِ بِالْإِغْلَاظِ عَلَى
الْكَافِرِينَ ; لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي مَقَامِ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ لِدَفْعِ إِيذَائِهِمْ وَحِمَايَةِ الدَّعْوَةِ وَبَيَانِ حَقِيقَتِهَا، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنَ النَّاسِ أَدَبًا فِي مَجْلِسِهِ وَحَدِيثِهِ.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَعْنَاهُ عِقَابَ نَفْسِهِ، وَذَكَرَ النَّفْسَ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْوَعِيدَ صَادِرٌ مِنْهُ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ إِذْ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْجُمْلَةِ كَلَامٌ آخَرُ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلِي مَا بَعْدَ هَذِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ فَلَا مَهْرَبَ مِنْهُ. قَالُوا: وَفِيهِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ يُشْعِرُ بِتَنَاهِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنَ الْمُوَالَاةِ فِي الْقُبْحِ.
ثُمَّ قَالَ: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمُرَادُ بِمَا فِي الصُّدُورِ: مَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الِانْشِرَاحِ وَالْمَيْلِ لِلْكُفْرِ أَوِ الْكُرْهِ لَهُ وَالنُّفُورِ مِنْهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْتُ آنِفًا: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا [١٦: ١٠٦] إِلَخْ، أَيْ أَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - يَعْلَمُ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ نُفُوسُكُمْ وَمَا تَخْتَلِجُ بِهِ قُلُوبُكُمْ إِذْ تُوَالُونَ الْكَافِرِينَ أَوْ تُوَادُّونَهُمْ وَإِذْ تَتَّقُونَ مِنْهُمْ مَا تَتَّقُونَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِمَيْلٍ إِلَى الْكُفْرِ جَازَاكُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ قُلُوبُكُمْ مُطْمَئِنَّةً بِالْإِيمَانِ غَفَرَ لَكُمْ وَلَمْ يُؤَاخِذْكُمْ عَلَى عَمَلٍ لَا جِنَايَةَ فِيهِ عَلَى دِينِكُمْ وَلَا إِيذَاءَ لِأَهْلِهِ، فَهُوَ يُجَازِيكُمْ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ الْخَالِقُ لِمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [٦٧: ١٤] وَهَذَا كَالدَّلِيلِ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا فِي صُدُورِهِمْ ; لِأَنَّهُ عَامٌّ وَدَلِيلُهُ ظَاهِرٌ فِي النِّظَامِ الْعَامِّ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَفَلَّتَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَحَدٌ وَلَا يُعْجِزَهُ شَيْءٌ، وَهَذَا كَالشَّرْحِ لِقَوْلِهِ: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ.
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مَا مَعْنَاهُ: الْكَلَامُ تَتِمَّةٌ لِوَعِيدِ مَنْ يُوَالِي الْكَافِرِينَ نَاصِرًا إِيَّاهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمَعْنَى: اتَّقُوا وَاحْذَرُوا أَوْ لِتَحْذَرُوا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ عَمَلَهَا مِنَ الْخَيْرِ مَهْمَا قَلَّ مُحْضَرًا، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ " اذْكُرْ " مُتَعَلِّقًا لِقَوْلِهِ: يَوْمَ تَجِدُ كَمَا فَعَلَ (الْجَلَالُ). وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُحْضَرًا أَنَّ فَائِدَتَهُ وَمَنْفَعَتَهُ تَكُونُ حَاضِرَةً لَدَيْهِ، وَأَمَّا عَمَلُ السُّوءِ فَتَوَدُّ كُلُّ نَفْسٍ اقْتَرَفَتْهُ لَوْ بَعُدَ عَنْهَا وَلَمْ تَرَهُ وَتُؤْخَذْ بِجَزَائِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَ الشَّرِّ يَكُونُ مُحْضَرًا أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ إِحْضَارَهُ مُؤْذٍ لِصَاحِبِهِ يَوَدُّ لَوْ لَمْ يَكُنْ ; أَيْ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ إِحْضَارَ عَمَلِ
الْخَيْرِ يَكُونُ غِبْطَةً لِصَاحِبِهِ وَسُرُورًا. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ: إِنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ كَالْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ كُتُبِ الْأَعْمَالِ وَأَخْذِهَا بِالْأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ، فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنَ

صفحة رقم 232

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية