ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

٢٨ - قوله تعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ قال ابن عباس (١): نزلت الآية في قوم من المؤمنين، كانوا (٢) يباطنون اليهود ويوالونهم (٣).
وقال المُقاتِلان (٤): نزلت في حاطب بن أبي بَلْتَعَة (٥)، وغيره ممن كانوا يوالون كفار مكة.

(١) قوله، في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٢٨، "تفسير الثعلبي" ٣/ ٣٤ أ، "أسباب النزول" للواحدي ص١٠٤، "تفسير البغوي" ٢/ ٢٥، "زاد المسير" ١/ ٣٧١، "لباب النقول" للسيوطي ٥٢.
(٢) (كانوا): ساقطة من (ج).
(٣) في (أ)، (ب)، (ج): (يتوالونهم)، والمثبت من (د). وتفسير (الوسيط) للمؤلف (تح: بالطيور): ١٨٧.
(٤) في (أ)، (ب)، (د): (مقاتلان). والمثبت من (ج) وهو الصواب؛ لموافقة لما في "تفسير الثعلبي" ٣/ ٣٤ أ، والمقاتلان؛ هما: مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان، وقد أخرج لهما الثعلبي في "تفسيره" وجعلهما من مصادره. انظر: "تفسيره" ١/ ٧ ب، وقول مقاتل بن سليمان في تفسيره ١/ ٢٧٠. ويبدو أن الواحدي نقل القول عنهما من "تفيسر الثعلبي" ٣٤ أ، وقد أورد البغوي في "تفسيره" ٢/ ٢٥ قولَ مقاتل، ولم يُعَيِّن مَنْ منهما. ونَصَّ على وروده عنهما ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٣٧١، وقال: (هذا قول المقَاتِلَيْن: ابنِ سُليمان، وابن حَيان).
(٥) هو: حاطب بن أبي بلتعة بن عمرو اللَّخمي، صحابي، أصله من اليمن، وكان حليفًا للزبير، شهد بدرًا، وهو الذي كاتب أهل مكة يخبرهم بتجهز رسول الله - ﷺ - لغزوهم، مُريدًا بذلك أن يتخذ عند الكفار يدا يحمي بها أهله الذين في مكة، حيث لا عشيرة له بها تحميهم، وقد قبل النبي - ﷺ - عذره. وقد أنزل الله فيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١]، توفي سنة (٣٠هـ). انظر: "صحيح البخاري" ٨/ ٦٣٣. كتاب التفسير. سورة الممتحنة، "الاستيعاب" ١/ ٣٧٤، "الإصابة" ١/ ٣٠٠.

صفحة رقم 166

قال الفرَّاء (١): لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ: نهيٌ؛ فجُزم على ذلك. ولو رُفِع على الخبر كقراءة من قرأ: لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا (٢) [البقرة: ٢٣٣] جازَ.
قال الزجَّاج (٣): ويكون المعنى على الرفع: أنه من كان مؤمنًا، فلا بنبغي أنْ يتَّخذَ الكافرَ وَلِيًّا؛ لأن وَلِيَّ الكافرِ راضٍ بِكُفْرِهِ، فهو كافر، وقد ذكرنا معنى (الوليَّ) و (المولى) فيما تقدم.
ومعنى (الأولياء) ههنا: الأنصار، والأعوان، أو (٤) الذين يوالونهم ويلاطفونهم بالمحبَّةِ والقُرْبَةِ.
وقوله تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. (مِنْ) ههنا معناه: ابتداء الغاية،

(١) في "معاني القرآن" له ١/ ٢٠٥ نقله عنه بالمعنى.
(٢) وهي قراءة: ابن كثير، وأبي عمرو، وقرأ الباقون: تُضَارَّ، بفتح الرَّاء المشددة. انظر: "الحجة" لابن زنجلة: ١٣٦، "اتحاف فضلاء البشر" ١/ ٤٤٠. والقراءة بجزم لاَ يَتَّخِذِ، قراءة الجمهور، وقرأ المفضل الضبِّي برفع الذال، وأجاز الكسائي الرفعَ على الخبر، والمراد به النهي. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس: ١/ ٣٢٠، "التبيان" للعكبري: ١/ ١٨٣، "البحر المحيط" ١/ ٤٢٢.
(٣) في "معاني القرآن" له ١/ ٣٩٥، نقله عنه نصًّا.
(٤) (أو): ساقطة من (ج). وفي (د)، (و).

صفحة رقم 167

على تقدير (١): لا تجعلوا ابتداء الولاية مكاناً دون المؤمنين (٢). وهذا (٣) كلام جرى على المثل في المكان، وهو كما تقول: (زيدٌ دونك)؛ لست تريد: أنَّه في موضعٍ مُسْتَفِلٍ (٤)، وأنك في موضع مرتفع، ولكن جعلت الشَّرف بمنزلة الارتفاع في المكان، وجعلت الخِسَّةَ كالاستفال (٥) في المكان.
والمعنى (٦): أنَّ المكان المرتفع في باب الولاية: مكانُ المؤمنين، ومكان الكافرين الأدنى. فهذا معنى مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وتحقيق له.
والتأويل: أولياء من غير المؤمنين وسواهم؛ كقوله تعالى وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: ٢٣] أي: غير الله. وقد مرَّ.
وقد ثبت بهذه الآية تحريمُ موالاة الكافرين: والله تعالى قد قطع بيننا وبينهم أصلَ الموالاة.
قال ابن عباس في هذه الآية (٧): نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا

(١) (تقدير): ساقطة من (ب).
(٢) والتقدير بعبارة أوضح: لا تجعلوا ابتداء الولاية من مكان دون مكان المؤمنين. وكون (مِن) لابتداء الغاية، هو الوجه الأظهر، والوجه الآخر: أن (مِن) في موضع نصب، صفة للأولياء. وقال سليمان الجمل: (إنها في محل الحال من الفاعل). انظر: "التبيان" للعكبري ١/ ١٨٣، "البحر المحيط" ٢/ ٤٢٣، "الدر المصون" ٣/ ١٠٧، "الفتوحات الإلهية" للجمل ١/ ٢٥٨.
(٣) من قوله: (وهذا..) إلى (.. مكان المؤمنين): نقله عن "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٣٩٦ مع اختلافٍ يسير جدًّا بين النصين.
(٤) (مستفل): وردت في "معاني القرآن" مستقل، وما أورده المؤلف هنا هو الصواب؛ لمناسبتها لسياق الكلام. و (التَّسفُّلُ)، نقيض التَّعلِّي، انظر: "التاج" ١٤/ ٣٤٧ (سفل).
(٥) كالاستفال: وردت في "معاني القرآن" (كالاستقبال)؛ ولا وجه لها، والصواب ما أثبته المؤلفُ.
(٦) في (ج): (فالمعنى)، وفي (د): (والمكانى).
(٧) قوله، في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٢٧، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٢٨، وأورده السيوطي في "الدر" ٢/ ٢٨ونسب إخراجه كذلك لابن المنذر. ونهاية قول ابن عباس إلى (.. الكفار)، أما الآيات القرآنية، فهي من إلحاق المؤلف الواحدي تفسيرًا لقول ابن عباس.

صفحة رقم 168

الكفارَ في آيات كثيرة، منها قوله: لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: ١١٨] وقوله: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٢]، وقوله: لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ (١) [المائدة: ٥١].
وقوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أي: اتِّخاذ الأولياء منهم (٢).
فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ. أي: من دين الله، فحذف الدينَ اكتفاءً بالمضاف إليه، والمعنى: أنه قد برئ من الله، وفارق دينه، ثمَّ استثنى، فقال: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً. ذكرنا معنى الاتقاء وحقيقته في قوله: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]. و (التُّقاة) ههنا مصدر، ووزنها: فُعَلَة، مثل:

(١) وقال ابن عطية: (ولفظ الآية عام في جميع الأعصار)، وقال أبو حيان: (وظاهر الآية تقتضي النهي عن موالاتهم إلا ما فُسح لنا فيه من اتِّخاذهم عبيدًا، والاستعانة بهم استعانة العزيز بالذليل، والأرفع بالأوضع، والنكاح فيهم). "المحرر الوجيز" ٣/ ٧١. وذكر سلميان الجمل أن ترك موالاة المؤمنين يصدق بصورتين: إما أن تقصر الموالاة على الكافرين، أو أن يُشرك بينهم وبين المؤمنين في الموالة، وكلا الصورتين داخلتان في منطوق النهي، فموالاة الكافرين ممنوعة، استقلالًا أو اشتراكًا مع المؤمنين. انظر: "الفتوحات الإلهية" ١/ ٢٥٨. وانظر: "البحر المحيط" ٢/ ٤٢٢.
(٢) (اتخاذ الأولياء منهم): ساقط من (د).

صفحة رقم 169

(تُخَمَة)، و (تُؤَدَة)، و (تُكَأَة)، و (تُهمَة). والتَّاء في كل هذا مبدلة من الواو (١)، ويقال (٢): (تَقَيْتُهُ تُقاةً، وتُقىً، وتَقِيَّةً، وتَقْوى). وإذا قلت (٣): (اتَّقَيت)، كان مصدره (الإتقاء) (٤).
وإنما قال: (تتَّقوا)؛ من: الاتِّقاء، ثم قال: (تُقاةً)، ولم يقل: اتِّقاءً: لأن العرب قد تَذْكُر المصدرَ من غير لفظ الفعل، إذا كان ما ذُكِر من المصدر يوافق (٥) مصدر الفعل المذكور، فيقول: (التقيت فلاناً لقاءً حسناً)، قال القُطامي (٦):

(١) انظر: "تفسير البسيط" (تح: د. الفوزان): ٢/ ٤٨، "كتاب سيبويه" ٤/ ٣٣٣، "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٤٥ - ١٤٨، "شرح الشافية" ٣/ ٨٠ - ٨٣، "الممتع في التصريف" ١/ ٣٨٣. ومعنى (تُخمَة): ما يصيب الإنسان من الطعام، إذا استثقله ولم يستمرئه. وهي مأخوذة من: (الوَخامة). و (تُؤَدَة) بالتسكين والفتح: التأني والتمهل، واصلها: (وُأدَةٌ). و (تُكَأة): ما يُتَّكأ عليه، و (رجل تُكَأة): كثير الإتِّكاء، وأصلها: (وُكَأة). و (تُهَمَة): الظنُّ، أصلها: (الوُهَمَة)، من: الوهم، وهو: الظَّن. "اللسان" ٨/ ٤٧٩١ (وخم)، ٨/ ٤٧٤٥ (وأد)، ٨/ ٤٩٠٤ (وكأ)، ٨/ ٤٩٣٣ (وهم).
(٢) من قوله: (ويقال..) إلى نهاية بيت الشعر (.. احتقارًا): نقله بتصرف عن "تفسير الثعلبي" ٣/ ٣٤ ب.
(٣) في (ج): (قلبت).
(٤) انظر: "إصلاح المنطق" ٢٤، ومادة (وقى)، في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٤١، "الصحاح" ٦/ ٢٥٢٧، "اللسان" ٨/ ٤٩٠١.
(٥) في (ج): (موافق).
(٦) هو: عمير بن شُيَيْم التَّغْلبي، تقدمت ترجمته.

صفحة رقم 170

وليس بأنْ تتَّبعه اتِّباعا (١)
وقال أيضًا:

ولاح بجانب (٢) الجبلين منه ركامٌ يَحْفِر التُّربَ (٣) احتفارا (٤)
وقال بعض النحويين (٥): (تقاة) اسم وضع موضع المصدر (٦) كما يقال: (جَلَسَ جَلْسَةً)، و (رَكِبَ رِكْبَةً) (٧)، وكما قال:
(١) عجز بيت، وصدره:
وخير الأمر ما استقبلت منه
وهو في: "ديوانه" ٣٥، "كتاب سيبويه" ٤/ ٨٢، "أدب الكاتب" ٦٣٠، "الشعر والشعراء" ٢/ ٧٢٨، "المقتضب" ٣/ ٢٠٥، "الأصول في النحو" ٣/ ١٣٤، "شرح المفضليات" لابن الأنباري ٣٥٢، "الخصائص" ٢/ ٣٠٩، "الاقتضاب" ٤٧٧، "شرح أدب الكاتب" ٣٠٥، "أمالي ابن الشجري" ٢/ ١٤١، "وضح البرهان" ١/ ٢٣٩، "شرح المفصل" ١/ ١١١، "خزانة الأدب" ٢/ ٣٦٩.
ومعنى البيت: أن خير الأمور ما تدبرته في أوله فعرفت إلام تنتهي عاقبته، وشر الأمور ما تُرك النظرُ في أوله، وتُتُبِّعت أواخرُه بالنظر. والشاهد فيه: أنه أتى بـ"اتِّباعًا" مصدرًا لـ"تتبع"، لأن معناهما واحد.
(٢) (د): (من جانب).
(٣) (د): (الثوب).
(٤) لم أقف عليه في ديوان القطامي، وأورده الثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٣٤ ب، ونسبه للقطامي، وبين أنه يصف غَيْثًا، وأورده أبو حيان في "البحر المحيط" ٢/ ٤٢٤.
(٥) لم أهتد إلى القائل، وقد ذكره أبو حيان في "البحر" ٢/ ٤٢٤، والحلبي في "الدر" ٣/ ١١١ عند بيان نصب تقاه على الحال كما سيأتي.
(٦) أي على تقدير: إلا أن تتقوا منهم اتقاءً، فيكون مفعولًا مطلقًا.
(٧) "جَلْسَة": اسم للمرَّة، و"جِلْسَة": اسم للهيئة، وهكذا "رِكْبة" و"رَكْبَة". يقول ابن مالك - في صياغة اسم المرَّة والهيئة من الثلاثي:

صفحة رقم 171

وبَعْدَ عطائِكَ المائةَ الرِّتاعا (١)
فأجراه مجْرَى الإعطاء (٢).
قال: ويجوز أن تجعل (تُقاة) ههنا مثل: (رُماة)، فتكون حالاً مؤكدة (٣).
قال المفسرون (٤): هذا في المؤمن، إذا كان في قوم كفَّار، ليس فيهم

(١) عجز بيت، وصدره:
أكُفْرًا بعد ردِّ الموتِ عني
وهو للقطامي، في "ديوانه" ٣٧، كما ورد في "الشعر والشعراء" ٢/ ٧٢٧، و"الخصائص" ٢/ ٢٢١، و"الأصول في النحو" ١/ ١٤٩، و"أمالي ابن الشجري" ٢/ ٣٩٦، و"اللسان" ٨/ ١٦٣ (سمع)، ٩/ ١٤١ (زهف)، ١٥/ ٦٩ (عطا)، ١٣٨ (غنا)، و"شرح شذور الذهب" ٤١٢، و"المقاصد النحوية" ٣/ ٥٠٥، ٤/ ٢٩٥، "منهج السالك" ٢/ ٢٨٨، و"شرح شواهد المغني" ٢/ ٨٤٩، و"الهمع" ٣/ ١٠٣، "معاهد التنصيص" ١/ ١٧٩، و"التصريح" ٢/ ٦٤، "الخزانة" ٨/ ١٣٦، ١٣٧، "الدرر" ١/ ١٦١. والشاعر يمدح في البيت زُفَر بن الحارث الكِلاَبي، بعد أن مَنَّ عليه بإطلاق أساره من قبيلة قيس، التي كانت تنوي قتله، وأعطاه مائة من الإبل. وقوله: (أكفرًا) استفهام إنكاري؛ أي: لا أخونك بعد أن أنقذتني من الموت، وأعطيتني مائة من الإبل (الرِّتاع)؛ أي: الراعية. والشاهد فيه: إعمال اسم المصدر: وهو (عطاء) عملَ المصدر، وهو (إعطاء)، ولذا نصب به المفعول، وهو (المائة).
(٢) اسم المصدر المأخوذ من حدث لغيره، كـ (الثواب، والكلام، والعطاء)، منع البصريون إعمالَه، إلَّا في الضرورة، وأجاز إعمالَه الكوفيُّون والبغداديُّون قياسًا؛ إلحاقًا له بالمصدر. واستثنى الكسائي إمام الكوفيين ثلاثةَ ألفاظ، هي: (الخبز) و (الدهن) و (القوت)، فإنها لا تعمل، فلا يقال: (عجبت من خبزكَ الخبزَ)، ولا (من دهنكَ رأسكَ)، ولا (من قوتِكَ عيالَكَ)، وأجاز ذلك الفرَّاءُ، لما حكاه عن العرب مثل: (أعجبني دهنَ زيدٍ لحيَتَه). انظر: "همع الهوامع" ٢/ ٩٤ - ٩٥.
(٣) أي: إنَّ (تقاة) هنا جمعٌ، حالها حال (رُماة) التي مفردها: (رامٍ)، وإن لم يأت من (تقاة) لفظ (فاعل)؛ لأن (فُعَلَة) تأتي جمعًا لفاعل الوصف المعتل اللَّام. انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٩٤٠ (وقى)، "البحر المحيط" ٢/ ٤٢٤، "الدر المصون" ٣/ ١١١، "التبيان" للعكبري: (١٨٤).
(٤) من قوله: (قال المفسرون..) إلى (.. عورة المسلمين): نقله بتصرف عن "تفسير الثعلبي" ٣/ ٣٥ أ.

صفحة رقم 172

غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يخالفهم (١)، ويُداريهم باللسان، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان دفعا عن نفسه (٢)، من غير أن يَستحِلَّ مُحرَّماً؛ من: دمٍ، أو مالٍ، أو إطْلاع للكافرين على عَوْرة (٣) المسلمين.
قال ابن عباس في هذه الآية (٤): يريد: مُدَاراةً ظاهرةً. والتقيَّة لا تحل إلاَّ مع خوف القتل. وهي رخصة من الله تعالى. ولو أفصح بالإيمان؛ حيث يجوز له التَقِيَّة، [فيُقْتَل لأجلِ إيمانِهِ] (٥)، كان ذلك فضيلةً له (٦).
وظاهر الآية يدل على أن التقيَّة إنما تَحلُّ مع الكفار الغالبين، غير أن مذهب الشافعي رحمه الله: [أنَّ الحالةَ بين] (٧) المسلمين (٨)، إذا شاكلت (٩) الحالةَ بين المسلمين والمشركين، حَلَّت التقِيَّةُ، محاماةً عن

(١) في (د): (يحالفهم)، وفي "تفسير الثعلبي" (يتحالفهم)، وقد أثبَتُّ (يخالفهم)؛ لورودها في النسخ الثلاث، ولأنها تحتمل المخالفة القلبية، وإلا فإني أرجِّح أن تكون (يخالقهم)، بمعنى: يصانعهم، ويعاشرهم على أخلاقهم، وهكذا وردت عن مجاهد في تفسير الآية، حيث قال: (إلَّا مصانعة في الدنيا، ومُخالقة). انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٢٢٩، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٢٩.
(٢) (دفعا عن نفسه): ساقط من: (ب).
(٣) في (د): (عورات).
(٤) الوارد عن ابن عباس في المصادر التي بين يدي ما يفيد هذا المعنى، وليس بهذا اللفظ. انظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٢٢٨، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٢٢٩، "المستدرك" للحاكم ٢/ ٢٩١، "الدر المنثور" ٢/ ٢٩.
(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ)، وهو مثبت من: (ب)، (ج)، (د).
(٦) قال ابن العربي: (لا خلاف في ذلك) "أحكام القرآن" ٣/ ١١٧٩، وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص: ١/ ٩، ٣/ ١٩٢، "تفسير القرطبي" ١٠/ ١٨٨.
(٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وهو بياض في (ب)، والمثبت من (ج)، (د).
(٨) (المسلمين): مكانها بياض في: (ب).
(٩) (شاكلت): أي: شابهت، ووافقت. انظر: "القاموس" (١٠١٩) (شكل).

صفحة رقم 173

المُهْجَةِ (١).
[وأمال] (٢) الكسائي، وحمزة تُقَاةً ههنا (٣). والقافُ حرفٌ مُسْتَعْلٍ (٤)، فالأحسن ترْكُ الإمالة مع القاف، كما لم يُميلوا (قادم). و (قاة) من (تقاة)، بمنزلة: (قادم).
وحُجَّة (٥) من أمالَ: أنَّ سيبويه ذكر (٦): أنَّ قوماً قد أمالوا مع المستعلي، ما لا ينبغي أن يُمال في القياس؛ وذلك قولهم: (رأيت غَرْقى) (٧). قال: وهو قليل. وأيضاً فإنهم قد أمالوا: (سَقى)، (وصَغى) (٨)؛ طلباً للياء التي الألِفُ في موضعها، فلمَّا أُميلت هذه الألِفُ مع المستعلي،

(١) انظر: "أحكام القرآن" للكيا الهراسي: ٢/ ٢٨٥، ٤/ ٢٤٦، "الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية" للسيوطي: ٢٠٦، "حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب" ٢/ ٣٩٠.
(٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ). وفي (ب)، (ج)، وأما المثبت من (د).
(٣) انظر: "الحجة" للفارسي: ٣/ ٢٧، وقال: (وأمال حمزة منهم (تقاة) إشمامًا من غير مبالغة)، "حجة القراءات" لابن زنجلة: ١٥٩.
(٤) الحروف المستعلية، هي: الخاء، والطاء، والظاء، والصاد، والضاد، والغين، والقاف. انظر: "الرعاية" لمكي ١٢٣، "التمهيد" لابن الجزري ٩٠.
(٥) من قوله: (وحجة..) إلى (.. أميلت التي في تقاة): نقله عن "الحجة" للفارسي: ٣/ ٣٠ - ٣١ بتصرف واختصار.
(٦) انظر: "كتاب سيبويه" ٤/ ١٣٢، و ٤/ ١٣٤.
(٧) هكذا جاءت في جميع النسخ. والذي في "الحجة" للفارسي، "كتاب سيبويه" (عِرْقا) بالعين المكسورة، من: العِرقاة، وهي: أصل الشيء، وما يقوم عليه. وهي في الشَّجَر: أرُومُه الأوسط الذي تتشعب منه العروق. انظر: "اللسان" ٥/ ٢٩٠٣ (عرق). أما (غَرقى)، فهي جمع: غريق. ويلاحظ أن سيبويه قد ذكر أن العلة في إمالة (عِرقا) هي وجود الكسرة في أولها، وليس ذاك في (غرقى). انظر: "كتاب سيبويه" ٤/ ١٣٤، "الدر المصون" ٣/ ١١٢ - ١١٣.
(٨) (سقى)، (وصغى): ساقطتان من (د).

صفحة رقم 174

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية
و"فَعْلَةٌ" لمرَّةٍ كجَلْسَهْ و"فِعْلَةٌ" لهيئة كجِلْسَهْ