قوله عز وجل: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨).
قد عظم الله موالاة الكافرين وموادتهم والركون إليهم في آيات
كقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ)
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)
وقال: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وقال: (لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ).
وقال: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)
وأمرنا بالإِعراض عنهم.
فقال: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)
وقال عليه الصلاة والسلام:
"لاتراءى ناراهما " وقال: "أنا بريء من كل مسلم مع مشرك "
إن قيل: ما وجه جواز مواصلتهم والاستعانة بهم واتخاذهم
عبيداً، وذلك ضرب من الموالاة، فالجواب منْ أوجهٍ:
الأول: أن هذه الآيات تقتضي المنع أمن، موالاتهم، إلا ما
خُصّ، وفُسِحَ لنا فيه.
والثاني: أن الموالاة المطلقة هي أن تواليهم في جميع الأمور.
فأما في شيء دون شيء فليس ذلك بموالاة.
الثالث: أن يكون ذلك مخصوصا في الموالاة الدينية.
الرابع: أن الموالاة على ضربين: موالاة الأرفع للأوضع، وذلك
باستخدامه إياه ورعايته والحماية عليه، وموالاة الأوضع للأرفع
وذلك بالخدمة. والذي نهُي عنه المسلم جزماً هو أن يوالي الكافر
موالاة الأوضع للأرفع بالخدمة له والاستعانة به استعانة الذليل
بالعزيز، لا أن يستعين به استعانة العزيز بالذليل والمخدوم
بالخادم، فذلك مرخَص فيه، وذاك لما قال النبي - ﷺ -: "الإِسلام يعلو ولا يُعلى" ومن هذا رُخص أن ننكح منهم دون أن ينكحوا
فينا، وأن نملك أرقاءهم ولا يملكوا أرقاءنا، وأن نرثهم
في قول من يرى ذلك، ولا يرثونا بوجه، ثم قد يكره لمن لم
يَقِرّ في الإِسلام المصاهرة إليهم، والاستعانة في المهن بهم
تفادياً أن يُغروه، وذلك ما قال عليه الصلاة "والسلام لحذيفة
لما تزوج بمشركة: "دعها فإنها لا تحصنك"، بل
لذلك قال: "مثل الجليس الصالح كمثل الداريِّ إن لا يحذك
من عطره تَعَلَّقَك من ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل القَيْن إن
لا يحرقك بشرره يؤذك بدخانه "، وقال بعض الحكماء:
"إياك ومجالسة الشرير، فإن طبعك يسرق من طبعه، وأنت لا تدري ".
وقوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)
إياس من الموالاة التي أثبتها بقوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
ونحوه، وقوله: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) فرخصه في إظهار
الموالاة باللسان دون القلب، حيث يحصل تقية، كقوله: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)
ولاحرج في مداراة الكافر حيث يُخاف شّره، أو يُرجى صلاحه، فقد روي عن النبي - ﷺ -
أنه استأذن عليه بعض الناس، فقال: "بئس أخو العشيرة
هو"، فلما دخل أكرمه، وسألته عائشة بعد خروجه، فقال: "إن شر
الناس من يُكرم اتقاء لسانه".
واختلف هل يجوز الإفصاح بالحق في حال التَقية؟
فأجاز ذلك بعضهم استدلالاً بما روى الحسن: أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله - ﷺ -
فقال لأحدهما: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم.
فخلَّاه، ثم دعا الآخر، فقال له ذلك، فأبى أن يقوله فقتله، فقيل
ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: "أما المقتول فمضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضيلة، فهنيئاً له.
وأما الآخر فأخذ برخصة الله، فلا تبعة عليه "
وجملة الأمر أن الإِفصاح عند التَقية إيفاءً بالحق، مستحسن حيث كان فيه نفع ديني، فأما إذا لم يكن في ذلك نفع ديني بوجه، فالعدول إلى كلمة الكفر على وجه التعريض أولى،
إن قيل: ما تعلق هذه الآية بما قبلها؟
قيل: لما عرفنا أنه مالك الكل والقادر عليه نهانا عن موالاة من يعاديه.
وقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) فالحذر: الاحتراز من السطوة.
وذلك على ضربين: أحدهما: حذر الإنسان إياه برؤية ذنوبه.
وإليه قصد بقو له: (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ)، والثاني: حذره برؤية
تقصيره في طاعته، وإياه قصد بهذه الآية، وعلى هذا ذكر التقوى.
فقال في موضع: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ).
وفي موضع: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ).
قال الحسن: من رحمته أن
حذرهم نفسه، ولتحذيره إياهم قال: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)
فإنه حذّرنا، بخلاف ما بفعل الماكر، وإلى مقتضى معناه أشار العرب
بقول: أعذر من أنذر، وفائدة قوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ) في
هذا المكان أنه لما ذكر قوله: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) بيَّن أنكم وإن
اتقيتموهم فاحذروا الله، فإنه يحذركم أن توالوهم بقلوبكم.
قوله عز وجل: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)
الأصل في الصّدر: الجارحة، فاستعير لصدر المجلس والكتاب
والكلام، وصدره إذا أصاب صدره، أو قصد نحو ظهره، وكتفه.
وإذا عُدِّي بعن اقتضى الانصراف عنه، والصدر يقال للمصدر
اللفظي ولموضع الصّدر، ولزمانه، والصِّدار الصُّدْرَة يُغطى
بها الصّدر على بناء الدِّثار واللباس، ويقال له الصّدْرَة، ولا
نهى تعالى عن موالاة الكفار - وذلك يكون بالقلب قبل أن يكون
بالجوارح - حذرهم أن يوالوهم بقلوبهم، فيكونوا كمن وصفهم
بقوله: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ)، وكمن وصفهم بقوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ) الآية، بين أنه لا يخفى عليه ذلك، بل لا يخفى عليه ما في السموات والأرض، وهو قادر عليهم، وإذا كان قادراً وعالماً بالسرائر فحق أن يُحْذَرَ.
إن قيل: لِمَ قدَّم الإِخفاء على الإِبداء، ومن البادي يُتَوَصَّل
إلى الخافي، وقضيّة المتمدح أن يقول فلان لا يفوتني: مشى أو
عدى ولا يكاد يُقال: عدى أو مشى؟ قيل: لما كان العلم يظهر في
النفس، ثم يبرز بالقول أو بالكتاب صار الخافي سبباً للبادي،
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار