ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

قِوَامَ الْعَالَمِ وَنِظَامَهُ بِذَلِكَ وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ أَنَّهُ تَعَالَى يَأْتِي بِاللَّيْلِ عَقِيبَ النَّهَارِ، فَيُلْبِسُ الدُّنْيَا ظُلْمَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ فِيهَا ضَوْءُ النَّهَارِ، ثُمَّ يَأْتِي بِالنَّهَارِ عَقِيبَ اللَّيْلِ فَيُلْبِسُ الدُّنْيَا ضَوْءَهُ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ إِيلَاجِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ إِيجَادَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقِيبَ الْآخَرِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّهَارُ طَوِيلًا فَجَعَلَ مَا نَقَصَ مِنْهُ زِيَادَةً فِي اللَّيْلِ كَانَ مَا نَقَصَ مِنْهُ دَاخِلًا فِي اللَّيْلِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ الْمَيِّتِ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: أَجْمَعَ الْبَصْرِيُّونَ عَلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَأَنْشَدُوا:
إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ
وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: هَيِّنٌ وَهَيْنٌ، وَلَيِّنٌ وَلَيْنٌ، وَقَدْ ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ الْمَيْتَ مَنْ قَدْ مَاتَ، وَالْمَيِّتَ مَنْ لَمْ يَمُتْ.
الْمَسْأَلَةُ الثانية: ذكر المفسرون فيه وجوهاًأحدها: يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ كَإِبْرَاهِيمَ مِنْ آزَرَ، وَالْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ مِثْلُ كَنْعَانَ مِنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالثَّانِي: يُخْرِجُ الطَّيِّبَ مِنَ الْخَبِيثِ وَبِالْعَكْسِ وَالثَّالِثُ: يُخْرِجُ الْحَيَوَانَ مِنَ النُّطْفَةِ، وَالطَّيْرَ مِنَ الْبَيْضَةِ وَبِالْعَكْسِ وَالرَّابِعُ: يُخْرِجُ السُّنْبُلَةَ مِنَ الْحَبَّةِ وَبِالْعَكْسِ، وَالنَّخْلَةَ مِنَ النَّوَاةِ وَبِالْعَكْسِ، قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالْكَلِمَةُ مُحْتَمِلَةٌ/ لِلْكُلِّ أَمَّا الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ فَقَالَ تَعَالَى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الْأَنْعَامِ: ١٢٢] يُرِيدُ كَانَ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ فَجَعَلَ الْمَوْتَ كُفْرًا وَالْحَيَاةَ إِيمَانًا، وَسَمَّى إِخْرَاجَ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ إِحْيَاءً، وَجَعَلَ قَبْلَ ذَلِكَ مَيْتَةً فقال يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الرُّومِ: ١٩] وَقَالَ: فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [فَاطِرٍ: ٩] وَقَالَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الْبَقَرَةِ: ٢٨].
أَمَّا قَوْلُهُ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ فَفِيهِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ لَا يُحَاسِبُهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ، إِذْ لَيْسَ فَوْقَهُ مَلِكٌ يُحَاسِبُهُ بَلْ هُوَ الْمَلِكُ يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَالثَّانِي: تَرْزُقُ من تشاء غَيْرَ مَقْدُورٍ وَلَا مَحْدُودٍ، بَلْ تَبْسُطُهُ لَهُ وَتُوَسِّعُهُ عَلَيْهِ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يُنْفِقُ بِغَيْرِ حِسَابٍ إِذَا وُصِفَ عَطَاؤُهُ بِالْكَثْرَةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ فِي تَكْثِيرِ مَالِ الْإِنْسَانِ: عِنْدَهُ مَالٌ لَا يُحْصَى وَالثَّالِثُ: تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، يَعْنِي عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لِأَنَّ مَنْ أَعْطَى عَلَى قَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ فَقَدْ أَعْطَى بِحِسَابٍ، وَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى: إِنَّكَ لَا تَرْزُقُ عِبَادَكَ عَلَى مقادير أعمالهم والله أعلم.
[سورة آل عمران (٣) : آية ٢٨]
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)
[فِي قَوْلُهُ تَعَالَى لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ] فِي كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ فِي تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَ النَّاسِ، لِأَنَّ كَمَالَ الْأَمْرِ لَيْسَ إِلَّا فِي شَيْئَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ قَالَ: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ الثَّانِي: لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَيَّنَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الرَّغْبَةُ فِيمَا عِنْدَهُ، وَعِنْدَ أَوْلِيَائِهِ دُونَ أَعْدَائِهِ.

صفحة رقم 191

وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: جَاءَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ إلى قوم الْمُسْلِمِينَ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ/ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: اجْتَنِبُوا هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ، وَاحْذَرُوا أَنْ يَفْتِنُوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَالثَّانِي: قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَغَيْرِهِ، وَكَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الْيَهُودَ وَالْمُشْرِكِينَ وَيُخْبِرُونَهُمْ بِالْأَخْبَارِ وَيَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَكَانَ لَهُ حُلَفَاءُ مِنَ الْيَهُودِ، فَفِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ مَعِيَ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الْيَهُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ يَخْرُجُوا مَعِي فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَهَذِهِ صِفَةُ الْكَافِرِ.
قُلْنَا: مَعْنَى الْآيَةِ فَلَيْسَ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ فِي تَحْرِيمِ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى أَنْزَلَ آيَاتٍ كَثِيرَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٨] وَقَوْلُهُ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الْمُجَادَلَةِ: ٢٢] وَقَوْلُهُ لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ وقوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١] وَقَالَ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التَّوْبَةِ: ٧١].
وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الْمُؤْمِنِ مُوَالِيًا لِلْكَافِرِ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِكُفْرِهِ وَيَتَوَلَّاهُ لِأَجْلِهِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُصَوِّبًا لَهُ فِي ذَلِكَ الدِّينِ، وَتَصْوِيبُ الْكُفْرِ كُفْرٌ وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَبْقَى مُؤْمِنًا مَعَ كَوْنِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَهَذَا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّهُ تعالى قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ خِطَابًا فِي شَيْءٍ يبقى المؤمن معه مؤمناو ثانيها: الْمُعَاشَرَةُ الْجَمِيلَةُ فِي الدُّنْيَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ كَالْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ هُوَ أَنَّ مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ بِمَعْنَى الرُّكُونِ إِلَيْهِمْ وَالْمَعُونَةِ، وَالْمُظَاهَرَةِ، وَالنُّصْرَةِ إِمَّا بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ، أَوْ بِسَبَبِ الْمَحَبَّةِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ دِينَهُ بَاطِلٌ فَهَذَا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ إِلَّا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ بِهَذَا الْمَعْنَى قَدْ تَجُرُّهُ إِلَى اسْتِحْسَانِ طَرِيقَتِهِ وَالرِّضَا بِدِينِهِ، وَذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ فَلَا جَرَمَ هَدَّدَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ فَقَالَ: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ النَّهْيَ عَنِ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ بِمَعْنَى أَنْ يَتَوَلَّوْهُمْ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَّا إِذَا تَوَلَّوْهُمْ وَتَوَلَّوُا الْمُؤْمِنِينَ مَعَهُمْ فَذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ فِيهِ زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ، لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُوَالِي غَيْرَهُ وَلَا يَتَّخِذُهُ مُوَالِيًا فَالنَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِهِ مُوَالِيًا لَا يُوجِبُ النَّهْيَ عَنْ أَصْلِ مولاته.
قُلْنَا: هَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ وَإِنْ قَامَا فِي الْآيَةِ إِلَّا أَنَّ سَائِرَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ مُوَالَاتُهُمْ دَلَّتْ عَلَى سُقُوطِ هَذَيْنِ الاحتمالين.

صفحة رقم 192

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِنَّمَا كُسِرَتِ الذَّالُ مِنْ يَتَّخِذِ لِأَنَّهَا مَجْزُومٌ لِلنَّهْيِ، وَحُرِّكَتْ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ قَالَ الزَّجَّاجُ: وَلَوْ رُفِعَ عَلَى الْخَبَرِ لَجَازَ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى الرَّفْعِ أَنَّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ الْكَافِرَ وَلِيًّا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ وَمَعْنَى الْخَبَرِ يَتَقَارَبَانِ لِأَنَّهُ مَتَّى كَانَتْ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يُوَالِيَ الْكَافِرَ كَانَ لَا مَحَالَةَ مَنْهِيًّا عَنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِ، وَمَتَى كَانَ مَنْهِيًّا عَنْ ذَلِكَ، كَانَ لَا مَحَالَةَ مِنْ شَأْنِهِ وَطَرِيقَتِهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الْبَقَرَةِ: ٢٣] أَيْ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ دُونَ مُخْتَصٌّ بِالْمَكَانِ، تَقُولُ: زَيْدٌ جَلَسَ دُونَ عَمْرٍو أَيْ فِي مَكَانٍ أَسْفَلَ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ كَانَ مُبَايِنًا لِغَيْرِهِ فِي الْمَكَانِ فَهُوَ مُغَايِرٌ لَهُ فَجُعِلَ لَفْظُ دُونَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى غَيْرِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَفِيهِ حَذْفٌ، وَالْمَعْنَى فَلَيْسَ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَلَايَةِ يَعْنِي أَنَّهُ مُنْسَلِخٌ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى رَأْسًا، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْقُولٌ فَإِنَّ مُوَالَاةَ الْوَلِيِّ، وَمُوَالَاةَ عَدُوِّهِ ضِدَّانِ قَالَ الشَّاعِرُ:

تُوِدُّ عَدُوِّي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّنِي صَدِيقُكَ لَيْسَ النَّوْكُ عَنْكَ بِعَازِبٍ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَلَيْسَ مِنْ دِينِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ وَهَذَا أَبْلَغُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ الْكِسَائِيُّ: تُقَاةً بِالْإِمَالَةِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ: بَيْنَ التَّفْخِيمِ وَالْإِمَالَةِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ تَقِيَّةً وَإِنَّمَا جَازَتِ الْإِمَالَةُ لِتُؤْذِنَ أَنَّ الْأَلِفَ مِنَ الْيَاءِ، وَتُقَاةً وَزْنُهَا فُعْلَةً نَحْوَ تُؤْدَةٍ وَتُخْمَةٍ، وَمَنْ فَخَّمَ فَلِأَجْلِ الْحَرْفِ الْمُسْتَعْلِي وَهُوَ الْقَافُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ: تَقَيْتُهُ تُقَاةً، وَتُقًى، وَتُقْيَةً، وَتَقْوَى، فَإِذَا قُلْتَ اتَّقَيْتُ كان مصدره الأتقياء، وَإِنَّمَا قَالَ تَتَّقُوا ثُمَّ قَالَ تُقَاةً وَلَمْ يَقُلِ اتِّقَاءً اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، كَمَا يُقَالُ: جَلَسَ جَلْسَةً، وَرَكِبَ رَكْبَةً، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً [آلِ عِمْرَانَ: ٣٧] وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا
فَأَجْرَاهُ مَجْرَى الْإِعْطَاءِ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ تُقَاةً هَاهُنَا مِثْلَ رُمَاةٍ فَيَكُونُ حَالًا مُؤَكِّدَةً.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
قَالَ الْحَسَنُ أَخَذَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ، فَقَالَ: أَفَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ / قَالَ: نَعَمْ، وَكَانَ مُسَيْلِمَةُ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ بَنِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ قُرَيْشٍ، فَتَرَكَهُ وَدَعَا الْآخَرَ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَصَمُّ ثَلَاثًا، فَقَدَّمَهُ وَقَتَلَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، فقال: أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ فَمَضَى عَلَى يَقِينِهِ وَصِدْقِهِ فَهَنِيئًا لَهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النَّحْلِ: ١٠٦].
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّ لِلتَّقِيَّةِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَهَا.
الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّقِيَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ، وَيَخَافُ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُظْهِرَ الْعَدَاوَةَ بِاللِّسَانِ، بَلْ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُظْهِرَ الْكَلَامَ الْمُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ

صفحة رقم 193

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية