ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

قوله تعالى : إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ في هذا الظرف أوجهٌ :
أحدها : أن يكون منتصباً ب " يَخْتَصِمُونَ ".
الثاني : أنه بدل من " إذْ يَخْتَصِمُونَ " وهو قول الزجاج.
وفي هذين الوجهين بُعْدٌ ؛ حيث يلزم اتحاد زمان الاختصام، وزمانِ قَوْل الكلام، ولم يكن ذلك ؛ لأن وقت الاختصام كان صغيراً جِدًّا، ووقت قولِ الملائكةِ بعد ذلك بأحْيَانٍ.
قال الحسنُ : إنها كانت عاقلة في حال الصِّغَرِ، وإن ذلك كان من كراماتها. فإن صحَّ ذلك صحَّ الاتحاد، وقد استشعر الزمخشريُّ هذا السؤال، فأجاب بأن الاختصام والبشارة وقَعَا في زمان واسعٍ، كما تقول : لقيته سنةَ كذا، يعني أن اللقاءَ إنما يقع في بعض السنة فكذا هذا.
الثالث : أن يكون بدلاً من وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ - أولاً - وبه بدأ الزمخشريُّ - كالمختار له - وفيه بعد لكثرة الفاصل بين البدلَ والمبدل منه.
الرابع : نصبه بإضمار فعل.
الخامس : قال أبو عبيدة :" إذْ - هنا - صلة زائدة ". والمراد بالملائكة هنا : جبريل عليه السلام لما قررناه وقد تقدم الكلام في البشارة.

فصل


قال القرطبيُّ :" قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ دليل على نبوتها مع ما تقدم من كونها أفضل نساءِ العالمين، وأن الملائكة قد بلّغتها الوحي عن الله - عز وجل - بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلَّغت سائر الأنبياءِ، فهي إذاً نَبِيّة، والنبيُّ أفضل من الوليّ ". وقال ابنُ الخطيب : ذلك كرامة لها ؛ إذ ليست نبية ؛ لاختصاص النبوةِ بالرجال، وقال جمهورُ المعتزلة ؛ ذلك معجزة لعيسى - عليه السلام -.
قال ابنُ الْخَطِيبِ : وهو عندنا إرهاصٌ لعيسى، أو كرامة لمريم.
قوله : بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ في محل جر ؛ صفة ل " كَلِمَةٍ " و " مِنْ " ليست للتبعيض ؛ إذ لو كان كذلك، لكان الله - تعالى - مُتبعِّضاً مُتجزِّئاً - تعالى الله عن ذلك - بل لابتداء الغاية ؛ لأن كلمة الله مبدأ لظهوره وحدوثه، والمراد بالكلمة - هنا - عيسى - لوجوده بها وهو قوله : كن فهو من باب إطلاق السبب على المُسَبّبِ.
فإن قيل : أليس كل مخلوق، فهو يخلق بهذه الكلمة ؟
فالجوابُ : نَعَمْ، إلا أن ما هو السبب المتعارَف كان مفقوداً في حق عيسى - عليه السلام - فكان إضافة حدوثه إلى الكلمة أكمل وأتم، فجعل هذا التأويل كأنه نفس الكلمة، كمن غلب عليه الجود والكرم يُقال على سبيل المبالغة - : إنه نفس الجود ومَحْض الكرم، فكذا ها هنا.
وأيضاً فإن السلطان قد يُوصَف بأنه ظلُّ اللهِ، ونور اللهِ - إذا أظهر لهم ظل العدل، ونور الإحسانِ، فكذا عيسى - عليه السلام - لما كان سبباً لظهور كلام الله - تعالى - بكثرة بياناته، وإزالة الشبهاتِ والتحريفات عنه، فسُمِّيَ بكلمة الله على هذا التأويل.

فصل


حدوث الولد من غير نطفة الأب مُمكن، أما على أصول المسلمين، فظاهر ؛ لأنّ الله تعالى قادرٌ على كل الممكنات، وإذا خلق آدمَ من غير أمٍّ ولا أبٍ، فخَلْقُه عيسى - عليه السلام - من غير أب أولَى، وأما على أصول الفلاسفة فإنهم اتفقوا على أنه لا يمتنع حدوث الإنسان على سبيل التولُّد ؛ لامتزاج العناصر الأربعة على القدر الذي يناسب بَدَنَ الإنسان، وعند امتزاجها يجب حدوث الكيفية المزاجية، وعند حصول الكيفية المزاجية، يجب تعلُّق النفس، فثبت أن حدوث الإنسان - على سبيل التولد - معقول ممكن، وأيضاً إنا نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد - كتولُّد الفأر عن المدر، والحيَّات عن الشعر، والعقارب عن الباذَروج - وإذا كان كذلك فتولُّد الولَدِ لا عَنِ أبٍ أوْلَى ألا يكون ممتنعاً. وأيضاً، فإن التخيُّلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث الكثيرة كما أن تصور حدوث المنافي، يوجب حصول كيفية الغضب، ويوجب حصول السخونة الشديدة في البدن، وكما أن اللوح الطويل إذا كان موضوعاً على الأرض، قدر الإنسان على المشي عليه، ولو جعل كالقنطرة على وهدة لم يقدر على المشي عليه، بل كلما يمشي سقط، وما ذاك إلا لأن تصور السقوط يوجب حصول السقوط، وقد ذكر الفلاسفة أمثلة كثيرة لهذا الباب، فما المانع أن يقال : إنها لما تخيلت صورةَ جبريل عليه السلام [ كفى ذلك في علوق ] ١ الولد في رحمها، وإذا كانت هذه الوجوهُ ممكنةٌ كان القول بحدوث عيسى - من غير أبٍ - غير ممتنع.
قوله : اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اسمه مبتدأ، والمسيح خبره، وعيسى بدل منه، أو عطف بيان.
قال أبو البقاء :" ولا يجوز أن يكون خبراً آخرَ ؛ لأن تعدد الأخبار يوجب تعدد المبتدأ، والمبتدأ مفرد - وهو قوله : اسمه - ولو كان " عِيسَى " خبراً آخر لكان أسماؤه أو أسماؤها - على تأنيث الكلمة " وأما من يجيز ذلك فقد أعرب " عِيسَى " خبراً ثانياً، وأعربه بعضهم خبرَ مبتدأ محذوفٍ - أي : هو عيسى.
ويجوز على هذا الوجه وَجْهٌ رابعٌ، وهو النَّصْب بإضمار أعني ؛ لأن كل ما جاز قطعه رفعاً جاز قطعه نصباً، والألف واللام في المسيح للغلبة كهي في الصعق والعيُّوق وفيه وجهان :
أحدهما : أنه فَعِيل بمعنى فاعل، فحُوِّلَ منه مبالغةً.
قيل : لأنه يمسح الأرض بالسياحة، أي : يقطعها ومنه : مسح القسام الأرض وعلى هذا المعنى يجوز أن يقالَ لعيسى : مِسِّيح - بالتشديد - على المبالغة، كما يقال : رجل شريب.
وقيل : لأنه يمسح ذا العاهةِ فَيَبْرَأُ - قاله ابن عباس.
وقيل : كان يمسح رأسَ اليتيم. ٢
وقيل : يلبس المسح فسمي بما يؤوب إليه.
وقيل : إنه فَعِيل بمعنى مفعول ؛ لأنه مُسِحَ بالبركة٣.
وقيل لأنه مُسِح من الأوزار والآثام، ٤ أو لأنه مَسِيح القَدَم لا أخْمَصَ له٥.
قال الشاعر :[ الرجز ]
بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلاَمٌ كَالزَّلَمْ *** مُدَمْلَجُ السَّاقَيْنِ مَمْسُوحُ الْقَدَمْ٦
أو لمسح وَجْههِ بالمَلاحة، قال :[ الطويل ]
عَلَى وَجْهِ مَيٍّ مِسْحَةٌ مِنْ مَلاَحَةٍ ***. . . ٧
أو لأنه كان ممسوحاً بدُهْنٍ طاهرٍ مبارَكٍ، تُمْسَح به الأنبياء، ولا يُمْسَح به غيرُهم، قالوا : وهذا الدهن من مسح به وقتَ الولادة فإنه يكون نبيًّا، أو لأنه مَسَحَهُ جبريلُ بجَنَاحه وقت الولادة ؛ صوناً له عن مَسِّ الشيطان. أو لأنه خرج من بطن أمه مَمْسُوحاً بالدُّهْن.
والثاني : أنّ وزنه مَفْعِل - من السياحة - وعلى هذا تكون الميمُ فيه زائدة، وعلى هذا كلِّه، فهو منقول من الصفة.
وقال أبو عمرو بن العلاء : المَسِيح : الملك.
وقال النَّخَعِيُّ : المسيح : الصديق. ويكون المسيح بمعنى : الكذَّاب، وبه سُمِّي الدجال، والحرف من الأضداد.
وسمي الدجَّال مَسِيحاً لوجهَيْن.
أحدهما : أنه ممسوح إحدى العينَيْن.
الثاني : أنه يَمْسَح الأرضَ - أي يقطعها - في المدةِ القليلةِ، قالوا : ولهذا قيل له : دَجَّال ؛ لضَرْبه الأرضَ، وقَطْعِه أكثر نواحيها. يقال : قد دَجَل الرجلُ - إذا فعل ذلك.
وقيل : سُمِّي دَجَّالاً من دَجَّل الرجل إذا موَّه ولبَّس.
قال أبو عبيدٍ واللَّيْث : أصله - بالعبرانية - مَشِيحَا، فغُيِّر.
قال أبو حيان :" فعلى هذا يكون اسماً مرتجلاً، ليس مُشْتَقاً من المَسْح، ولا من السياحة ".
قال شهاب الدينِ :" قوله : ليس مشتقاً صحيح، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون مُرْتَجَلاً ولا بد، لاحتمال أن يكون في لغتهم مَنْقُولاً من شيء عندهم ".
وعيسى أصله : يسوع، كما قالوا في موسى : أصله موشى، أو ميشا - بالعبرانية.
فيكون من الاشتقاق الأوسط لأنه يُشْتَرط فيه وجود الحروف لا ترتيبها، والأكبر يُشترط فيه أن يكون في الفرع حرفان، والأصغر يُشْتَرط فيه أن يكون في الفرع حروف الأصل مرتَّبَةً.
وعيسى اسم أعجمي، فلذلك لم يَنْصَرف - في معرفة ولا نكرة - لأنَّ فيه ألفَ تأنيث، ويكون مُشْتَقاً من عاسه يعوسه، إذا سَاسَه وقام عليه.
وأتى الضمير مذكَّراً في قوله :" اسْمُهُ " وإن كان عائداً على الكلمة ؛ مراعاةً للمعنى ؛ إذ المراد بها مذكَّر.
وقيل - في الدَّجّال- : مِسِّيح - بكسر الميم وشد السين، وبعضهم يقوله كذا بالخاء المعجمة، وبعضهم يقوله بفتح الميم والخاء المعجمة - مُخَفَّفاً - والأول هو المشهور ؛ لأنه يمسح الأرض - أي : يطوفها - ويدخل جميعَ بلدانِها إلا مكةَ والمدينةَ وبيتَ المقدسِ، فهو فعيل بمعنى فاعل.
والدَّجَّال يمسح الأرضَ محنة وابنُ مريمَ يمسحها مِنْحَةً. وإن كان سُمِّي مسيحاً ؛ لأنه ممسوح العين فهو فعيل بمعنى مفعول.
قال الشاعر :[ الرجز ]
. . . *** إذَا الْمَسِيحُ يَقْتُلُ الْمَسِيحَا٨

فصل


" ابنُ مريم " يجوز أن يكون صفة ل " عيسَى " قال ابن عطية : وعيسى خبر لمبتدأ محذوف، ويدعو إلى هذا كون قوله :" ابن مريم " صفة لعيسى ؛ إذْ قد أجمع الناسُ على كَتْبِهِ دون ألفٍ. وأما على البدل، أو عطف البيان فلا يجوز أن يكون " ابْنُ مَريمَ " صفة ل " عِيسَى " لأن الاسم - هنا - لم يُرَدْ به الشخص. هذه النزعة لأبي علي. وفي صدر الكلام نظرٌ. انتهى.
قال شهابُ الدِّينِ :" فقد حَتَّم كونه صفة ؛ لأجل كَتْبهِ بغير ألف، وأما على البدل، أو عطف البيان فلا يكون " ابْنُ مَرْيَمَ " صفة ل " عِيسَى " يعني : بدل عيسى من المسيح، فجعله غير صفة له مع وجود الدليل الذي ذكره، وهو كتبه بغير ألف ".
وقد منع أبو البقاء أن يكون " ابْنُ مَرْيَمَ " بدلاً أو صفة ل " عِيسَى " قال :" لأن " ابْن مَرْيَمَ " ليس بالاسم ألا ترى أنك لا تقول : اسم هذا الرجل ابن عمرو - إلا إذا كان قد عُلِّق عَلَماً عليه ".
قال شهاب الدينِ :" وهذا التعليل الذي ذكره إنما ينهض دليلاً في عدم كونه بدلاً، وأما كونه صفة، فلا يمنع ذلك، بل إذا كان اسماً امتنع كونه صفة ؛ إذ يصير في حكم الأعلامِ، وهي لا يُوصف بها، ألا ترى أنك إذا سميت رجلاً ب " ابن عمرو " امتنع أن يقع " ابن عمرو " صفة والحالة هذه ".
قال الزمخشريُّ :" فإن قلتَ : لِمَ قِيلَ : اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وهذه ثلاثة أشياء، الاسم عِيسَى، وأما المسيح والابن فلَقَب، وصفة ؟
قلت : الاسم للمسمَّى يُعْرَف بها، ويتميَّزُ من غيره، فكأنه قِيلَ : الذي يُعْرَف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الألفاظِ الثلاثةِ ".
فظهر من كلامه أن مجموع الألفاظِ الثلاثة أخبار عن اسمه، بمعنى أنَّ كُلاًّ منها ليس مُستَقِلاً بالخبريَّةِ، بل هو من باب : هذا حُلْوٌ حَامِضٌ [ وهذا أعسر يسرا ]٩.
ونظيره قول الشاعر :[ الخفيف ]
كَيْفَ أصْبَحْتَ كَيْفَ أمْسَيْتَ مِمَّا *** يَزْرَعُ الوُدَّ فِي فُؤادِ الْكَرِيمِ١٠
أي مجموع كيف أصبحت، وكيف أمسيت.
فكما جاز تعدُّد المبتدأ لفظاً - من غير عاطف - والمعنى على الْمَجْمُوعِ، فكذلك في الْخَبَرِ.
وقد أنشدوا عليه أبياتاً كقوله :[ الرجز ]
مَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذَا بَتِّي *** مُقَيِّظٌ، مُصَيِّفٌ، مَشَتِّي١١
وقد زعم بعضهم أن " المَسِيح " ليس باسم لَقَب له، بل هو صفة كالضّارِبِ والظريف، قال : وعلى هذا ففي الكلام تقديمٌ وتأخِيرٌ ؛ إذ " الْمَسِيحُ " صفةٌ ل " عِيسَى " والتقدير : اسمه عيسى المسيح ".
وهذا لا يجوز أعن
١ في أ: إن حصل..
٢ ذكره الرازي في " التفسير الكبير" (٨/٤٤)..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/٤١٤) عن سعيد بن جبير..
٤ ذكره الرازي في "التفسير الكبير" (٨/٤٤)..
٥ انظر المصدر السابق..
٦ البيت لشريح بن شرحبيل ونسب للأغلب العجلي ونسب للأخفش بن شهاب ونسب لرشيد بن رميض ينظر تفسير الطبري ٩/٤٧٣ وزاد المسير ٢/٢٧١ والصحاح ٥/١٩٤٣ والبحر المحيط ٢/٤٦٠ وتاج العروس ٨/٣٢٧ والدر المصون ٢/٩٤..
٧ صدر بيت لذي الرمة وعجزه:
وتحت الثياب الخزي إن كان باديا
ينظر ديوانه ٣/١٩٢١ والخزانة ١/٥٢ والأغاني ٦/١٢٠ وأمالي الزجاجي (٥٧) والشعر والشعراء ١/٥٣٤ والتهذيب ٤/٣٤٩ ومعاهد التنصيص ٣/٢٦١ والدر المصون ٢/٩٤..

٨ ينظر: مجمع البيان ٣/٨٠، واللسان (مسح)، وتهذيب اللغة ٤/٣٤٧، والقرطبي ٤/٨٩..
٩ سقط في ب..
١٠ ينظر: الخصائص ١/٢٩٠، ٢/٢٨٠، والدرر ٦/١٥٥، والأشباه والنظائر ٨/١٣٤، وشرح الأشموني ٢/٤٣١، وشرح عمدة الحافظ ص ٦٤١، وديوان المعاني ٢/٢٢٥، وهمع الهوامع ٢/١٤٠، ورصف المباني ص ٤١٤، والدر المصون ٢/٩٥..
١١ البيت لرؤبة ينظر ديوانه ص ١٨٩ والدرر ١/٨، والأشموني ١/٢٢ والكتاب ٢/٤. وابن يعيش ١/٩٩ والهمع ١/١٠٨ ومجاز القرآن ٢/٢٤٧ والإنصاف ٢/٧٢٥ والجمهرة ١/٢٢ والدر المصون ٢/٩٥..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية