٢٥٠- زعمت النصارى أن الله سبحانه لما خلق السماوات والأرض كان قد قدر في الأزل أن آدم عليه السلام يعصي ربه عز وجل وأن الشيطان يغويه، فلما عصاه وأكل من الشجرة التي نهاه الله تعالى عنها عاقبه وذريته بورود جهنم ولما رحم الله تعالى عباده وأشفق عليهم ألقى كلمته إلى مريم البتول فتجسدت الكلمة في جوفها فخرج منها إله تام من إله تام، نور من نور، قالوا : فخلص سيدهم يسوع المسيح العالم من حبال الشياطين التي كانوا يقودون فيها الآدميين إلى الجحيم. ( أدلة الوحدانية في الرد على النصرانية : ٢٥ )
٢٥١- وقولكم ( يقصد النصارى ) : ولما رحم الله عباده وأشفق عليهم ألقى كلمته إلى مريم البتول فتجسدت الكلمة في جوفها فخرج منها إله تام، نور من نور ". فنقول : الكلمات والجوهر عندكم وزائد عليه١، فإن قلتم هي الجوهر بلا مزيد، فقولوا : ألقى نفسه إلى مريم البتول ولا تقولوا كلمته لأن ليس عندكم إلا الجوهر بلا مزيد وهذا يؤدي إلى التغير والحدوث، والقديم يستحيل عليه التغير والحدوث فأنتم من طرفي نقيض، إما أن يقولوا : كل متغير حادث وكل منتقل من حال إلى حال حادث، أو يقولوا : إن التغير والانتقال من حال إلى حال لا يدلان على الحدوث فإن قلتم الأول لزمك حدوث القديم، وإن قلتم الثاني لزمك قدم العالم، كلا القولين محال.
وإن قلتم : هي زائدة على الجوهر. فنقول لكم : هل فارقت الجوهر أو لم تفارقه ؟ فإن قلتم : فارقته، لزمكم تغير الجوهر، لأنها إذا فارقته لم يتصف بأقنوم العلم بعدما كان متصفا.
وإن قلتم : لم تفارقه. استحال أن تحل في مريم مع اختصاصها به لأن الواحد لا يحل في اثنين. فإذا كان ذلك يستحيل في الصفة الموجودة القائمة بالموصوف فلأن يستحيل ذلك في الكلمة التي هي أقنوم العلم وهي خاصية الجواهر أولى من غير مزيد.
وقولكم : " تجسدت في جوفها ". فنقول لكم : تجسدت لساعتها أو تجسدت يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، فأيهما قلتم بطلت حجتكم. فإن قلتم : " تجسدت لساعتها ". فهو خلاف الناسوت، فإن الإنسان التام ليس له ذلك، ولا يتصور في العادة استواء الجنين في بطن أمه لساعته. فما كان إنسانا تاما بل كان مخالفا للإنسان، لأن الإنسان يقع عليه هذا الاسم ينمو أو يزيد في كل شهر من التسعة أشهر، وإن قلتم : " لا، بل زاد ونما شيئا بعد شيء ". فليس بإله تام إذ من المحال أن يجوز على الإله النمو والزيادة.
فإذا قلتم : تجسدت في بطن امرأة فقد صارت متجسدة بعدما لم تكن متجسدة، وهذا بعينه هو التغيير، وهو دليل الحدوث. ويؤدي أيضا إلى محال آخر. إذ المعنى لا يصير حسدا لأنه يؤدي إلى انقلاب الحقائق بأن يرجع غير القائم بنفسه قائما بنفسه وهذا محال، فإذا كان ذلك يستحيل في المعنى الموجود فلأن يستحيل في الأقنوم الذي هو خاصية الجوهر أولى.
وقولكم : " إله تام من إله تام " لا يستقيم، لأنكم لا يخلو قولكم من أمرين : إما أن تقولوا بحلول الإلهية فيه بعد ثلاثين سنة. وإما أن تقولوا : خرج من بطن أمه إلها تاما.
فإن قلتم : " إنما حلت الإلهية فيه بعد ثلاثين سنة "، فما خرج من بطنها إلها تام ولا هو إله تام.
وإن قلتم : " خرج من بطن أمه إله تام ". فقد كذبتم إنجيل يوحنا إذ قال في إنجيله : " أنه لما حضرت مريم وابنها يسوع في العشرين في كنا الجليل قالت له مريم : يا بني قد فرغ الخمر، فقال له يسوع : ومالي ولك يا امرأة ما دنا بعد وقتي أن أعمل معجزة " ٢. فهذا دليل على أنه ما كان تاما ولا كان إلها. لأن المعجزة إنما تكون للنبي والإله يفعلها على يده على وقف قوله تصديقا له. ويستحيل أن يجد الإله بوقت.
فقول يسوع : " ما دنا بعد وقتي "، دليل على أنه بشر وليس بإله.
وقولكم : " نور من نور ". فالنور عرض من الأعراض لا يقوم بنفسه. والباري تعالى قائم بنفسه منزه عن الأعراض.. ( نفسه : ٦٥-٦٦ )
٢ - متى : ٢٧/٤٦، مرقس : ١٥/٣٤، وعند لوقا لم يقل ذلك ولا عند يوحنا (محقق كتاب أدلة الوحدانية)..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي