ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

وقوله تعالى: أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ. مختصر (١)؛ أي: لينظروا أيُّهم تجب له كفالة مريم (٢).
٤٥ - قوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ قال ابن عباس: يريد: جبريل (٣).
يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ. يعني: عيسى، لأنه في ابتداء أمره كان كلِمَةً من الله ألقاها إلى مريم، ثمَّ كوَّن تلك الكلمة بَشَراً. قال الحسنُ (٤)، وقتادةُ (٥): لأنه كان بكلمة الله [تعالى] (٦)، وهو: كُنْ، ومعنى هذا: أنه أوجده بالكلمة، وكونه بها، وهي قوله: كُنْ من غير توليد من فَحْلٍ، أو تنسيل من ذَكَرٍ، وهو معنى قوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ [آل عمران: ٥٩]، ولم يُردْ -والله أعلم- أنَّ عيسى هو الكلمة نفسها، ألا تراه يقول: اسمُهُ المَسِيحُ، ولو أراد الكلمة لقال (٧): (اسمها المسيح) (٨).

(١) في (د): (مختص).
(٢) نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٤١١. وانظر: "تفسير الطبري" ٣/ ٢٦٩، "معاني القرآن" للنحاس ١/ ٤٠٠.
(٣) لم أقف على مصدر قوله، وقد ورد في "زاد المسير" ٤/ ٤٢٨، "غرائب القرآن" ٣/ ١٩٠، ٤/ ٤٤، وانظر: "المحرر الوجيز" ٨/ ٣٦٧.
(٤) لم أقف على مصدر قوله.
(٥) قوله في "تفسير الطبري" ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠، وأورده ابن الجوزي في "الزاد" ١/ ٣٨٩.
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).
(٧) في (أ)، (ب): (يقال). والمثبت من: (ج)، (د).
(٨) وهذا ما رجحه في "تفسيره" ٣/ ٢٧٠، ثم قال بعده: (ومعنى ذلك: أنَّ الله يبشِّركِ ببشْرى، ثم بيَّن عن البشرى أنها ولد اسمه المسيح).

صفحة رقم 253

وقيل: إنما سمَّاه كلمةً؛ لأن الله تعالى بشَّر به في الكتب السالفة، فلمَّا أوجده سمَّاه كلمة، كما يقول الذي يُخْبِرُنا بأمر كائن -إذا وُجِدَ ذلك الأمر-: (قد جاء قولي (١) وكلامي)، وقيل: لأن الله عز وجل يهدي به كما يهدي (٢) بكلمته.
وقيل: لأنه كان (يُكلِّم) (٣) عن الله تعالى فيُبشِّر، ويُنْذر (٤).
وقوله تعالى: اسْمُهُ الْمَسِيحُ. ذَكَر (٥) الكنايةَ (٦)؛ لأنه عنى بـ (الكلمة): عيسى، أو الولد، فرجعت الكناية إلى معنى الكلمة، لا إلى اللفظ.
فإن قيل: كيف أخبر أن اسمه المسيح، وقدمه على اسمه المعروف، وهو: عيسى، وإنما لُقِّب بـ (المسيح) بعد نفاذ التسمية له بـ (عيسى)؟
قيل: إنَّ الأسماء ألقاب عُلِّقت على المُسمَّيات؛ للفصل بين الأعيان فإذا عُلِّق الاسم على المولود في وقت ولادته، ثمَّ شُهر بعد عُلُوِّ سنِّه (٧) بلقب، كان اللقبُ أغلبَ عليه من الاسم، لأن من يعرفه به أكثر ممن يعرفه باسمه الحقيقي، فلهذه العلَّة قُدِّم المسيح على عيسى، ألا ترى أنَّ ألقاب

(١) في (أ)، (ب): (في قولي). والمثبت من: (ج)، (د). وهو الصواب؛ لأن المؤلف يريد أنَّ الأمر الكائن المتحقق هو نفس الكلام والقول الذي قاله.
(٢) كما يهدي: ساقط من (د).
(٣) في (ج): (تكلم).
(٤) لم أهتد إلى أصحاب الأقوال السابقة المصدر بقوله: (قيل)، ولا إلى مصادرها.
(٥) (ذكر): ساقطة من (د).
(٦) الكناية: الضمير.
(٧) في (أ)، (ب): (سته). والمثبت من: (ج)، (د).

صفحة رقم 254

الخلفاء أشهر وألزم لهم من أسمائهم (١).
فأما معنى المسيح؛ فقال أبو عبيد (٢) والليث (٣): المسيح أصله بالعبرانية: [(مشيحا). فعرَّبته العربُ وغيرت لفظه، وكما قالوا (٤): موسى، وأصله: (موشى)، أو (ميشى) بالعبرانية] (٥)، فلمَّا أعربوه (٦) غيَّروه (٧)، فعلى هذا لا اشتقاق (٨) له، وأكثر العلماء على أنه مشتق.
قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك (٩): وإنما (١٠) سُمِّيَ عيسى عليه السلام مسيحاً؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ (١١).
وقال أحمد بن يحيى (١٢): سمي مسيحاً؛ لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يقطعها.
فعلى قول هؤلاء، هو: (فعيل) بمعنى: (فاعل)، وقيل: إنه (١٣)

(١) نقل هذا القول ابن الجوزي في "الزاد" ١/ ٣٨٩، ونسبه لابن الأنباري.
(٢) قوله في "الزاهر" ١/ ٤٩٣، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٨٩ (مسح).
(٣) قوله في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٨٨ (مسح).
(٤) في (د): (قال). والمثبت من (ج).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(٦) في (ج)، (د): (عرُّبوه). ويجوز لغة: عربوه، وأعربوه. انظر: "اللسان" ٥/ ٢٨٦٥ (عرب).
(٧) في (د): (وغيَّروه).
(٨) في (ج): (الاشتقاق).
(٩) ورد قوله هذا في "الزاهر" ١/ ٣٩٤، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٨٨ (مسح)، "تفسير البغوي" ٢/ ٣٨، "زاد المسير" ١/ ٣٨٩، قال: (رواه الضحاك عن ابن عباس).
(١٠) في (د): (إنما).
(١١) في (ج): (برأ).
(١٢) هو ثعلب، وقوله في "الزاهر" ١/ ٤٩٣، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٨٨، "زاد المسير" ١/ ٣٨٩.
(١٣) (إنه): ساقطة من (د).

صفحة رقم 255

(فعيل) بمعنى: (مفعول) (١)، على أنه مُسِح من الأوزار، وطُهِّر (٢).
وقيل: لأنه خرج من بطن أمِّه ممسوحاً بالدهن (٣).
وقال الحسن (٤)، وسعيد (٥): لأنه مُسح بالبركة. وبهذا (٦) قال مِنْ (٧) أهل اللغة: شَمِر (٨). وقال ابن الأعرابي (٩)، وأبو الهيثم (١٠): المسيح بن مريم: الصدِّيق.
قال أبو الهيثم (١١): وضدُّ الصديق: المسيحُ الدجال؛ أي: الضلِّيل، الكذاب؛ خلق الله المسيحين، أحدهما ضد الآخر، فكان (١٢) المسيح بن مريم يُبْرِئ الأَكْمَهَ، والأبْرَصَ (١٣)، ويحيى الموتى بإذن الله، وكذلك

(١) في (أ) وردت عبارة مكرَّرة هي: (وقيل: إنه فعيل بمعنى فاعل).
(٢) ممن قال بذلك الطبري في "تفسيره" ٣/ ٢٧٠ ونص قوله: (إنما هو ممسوح؛ يعني: مسحه الله فطهَّره من الذنوب؛ ولذلك قال إبراهيم: المسيح: الصدِّيق) فجعل الطبري من لوازم معنى الصدِّيق. ويعني بـ (إبراهيم)، هو: النخعي كما سيأتي معنا.
(٣) قال ابن الجوزي عن هذا القول: (قاله أبو سليمان الدمشقي، وحكاه ابن القاسم). "زاد المسير" ١/ ٣٨٩.
(٤) لم أقف على مصدر قوله، وهو مذكور في "النكت والعيون" ١/ ٣٩٤، "زاد المسير" ١/ ٣٨٩.
(٥) "تفسير الطبري" ٣/ ٢٧٠، وذكره ابن الجوزي في "الزاد" ١/ ٣٨٩.
(٦) في (ب): (بهذا).
(٧) (من): ساقطة من (د).
(٨) "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٨٩.
(٩) في (د): الأعرابي. قوله، في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٨٨٩ (مسح).
(١٠) في (ج): أبو الهيثم، بدون واو العطف. وقوله في: المصدر السابق. وأبو الهيثم، هو خالد بن يزيد الرازي.
(١١) قوله في "التهذيب" ٤/ ٣٤٨.
(١٢) في (ج): (وكان).
(١٣) الأكْمَه: هو الذي يولد أعمى. وقد يقال لمن لم تذهب عينه. انظر: "معجم المفردات" للراغب: ٤٥٩ (كمه).

صفحة رقم 256

الدجال، يحيي الميتَ، ويميت الحيَّ، وينشئ السحائب (١) [وينبت] (٢) النبات، فهم المسيحان (٣): مسيح الهدى، ومسيح الضلالة.
قال [المنذري] (٤): فقلت (٥) له: بلغني أن عيسى [عليه السلام] (٦)، إنما سُمِّي مسيحاً، لأنه [مُسح بالبركة، وسُمِّيَ الدجال مسيحا؛ لأنه] (٧) ممسوح العين. فأنكره، وقال: إنما المسيح ضدَّ المسيح، يقال: مَسَحَه الله؛ أي: خلقه حَسناً مباركاً، ومَسَحَه (٨)، أي: خلقه قبيحاً ملعوناً.
وكان إبراهيم النخعي يذهب أيضاً (٩) إلى أن المسيح، معناه: الصِّدِّيق (١٠).
قال ابن الأنباري (١١): وهذا القول لا يعرف (١٢) اللغويون مذهبه؛

= والبَرَصُ: مرض جلدي معروف، يصيب الجلد ببياض. انظر: "القاموس" ٦١٣ (برص).
(١) في (د)، "تهذيب اللغة" السحاب.
(٢) ما بين المعقوفين مطموس في: (أ) ومثبت من بقية النسخ، ومن "تهذيب اللغة".
(٣) في (ج)، (د)، "التهذيب": فهما مسيحان.
(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في: (أ). ومثبت من بقية النسخ، ومن "تهذيب اللغة". وقول المنذري في "التهذيب" ٤/ ٣٣٨٩. وقد تقدمت ترجمته.
(٥) في (ب): (قلت).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (د).
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د)، ومن "التهذيب". وقول المنذري في "التهذيب" ٤/ ٣٤٨.
(٨) في (ب): (ومسخه).
(٩) (أيضًا): ساقطة من (ج).
(١٠) "تفسير الطبري" ٣/ ٢٧٠، "تفسير ابن أبي حاتم" ٢/ ٦٥١، "الزاهر" ١/ ٤٩٣، "التهذيب" ٤/ ٣٣٨٩ (مسح)، "الدر المنثور" ٢/ ٤٥، وعزاه كذلك لابن المنذر.
(١١) قوله، في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٨٩ (مسح).
(١٢) في (ج): (لا يعرفه).

صفحة رقم 257

إذ (١) كانت لا تصف كلَّ صِدِّيق بـ (المسيح)، ولعل كان هذا مستعملاً (٢) في بعض الأوقات في وصف الصدِّيقين، فدَرَسَ مع ما دَرَسَ من الكلام؛ لأن الكسائي قال (٣): قد درس من كلام العرب شيء كثير. ثمَّ فسَّر المسيح وبيَّنه من هو، فقال: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. معنى (الوجيه): ذو الجاه والشرف والقدْر، يقال: (وجُهَ الرجلُ، يَوْجُهُ، وَجاهةً)، فـ (هو وَجِيْهٌ): إذا صارت له منزلة رفيعة عند السلطان والناس (٤).
وقال بعض أهل اللغة (٥): الوجيه: الكريم، عند من لا يسأله؛ لأنه لا يردُّه لكرم (٦) وجهه عنده (٧)، خلاف من يبذل وجهه للمسألة (٨)، فيرده (٩).
قال الزجَّاج (١٠): وَجِيهًا، منصوب على الحال، المعنى: إنَّ الله

(١) في (أ)، (ب): (إذا). والمثبت من: (ج)، (د).
(٢) في (ج): "التهذيب" ولعل هذا كان مستعملًا، (د) ولعل هذا مستعملًا.
(٣) قوله، في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٣٨٩ (مسح)، وقوله من تتمة كلام ابن الأنباري.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ١/ ٤١٢، "اللسان" ٨/ ٣٧٧٦ (وجه).
(٥) لم أقف على هذا القائل.
(٦) في (أ)، (ب): (الكرم). والمثبت من: (ج)، (د)، ومن "البحر المحيط" ٢/ ٤٦١، وهو أنسب لسياق الكلام.
(٧) في (ج): عند. قال الفخر الرازي: (الوجيه، هو: الكريم؛ لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه، فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال). تفسيره: ٨/ ٥٥. وقال الطبري عن قوله تعالى عن موسى عليه السلام: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب: ٦٩]: (الوجيه في كلام العرب: المُحَبُّ المقبول). تفسيره ٢٢/ ٥١.
(٨) في (ج): (للمسلمة).
(٩) في (ج)، (د): (فيرد). ولم أقف على هذا الذي ذكره المؤلف في معنى (الوجيه) فيما رجعت إليه من مراجع.
(١٠) في "معاني القرآن" ١/ ٤١٢.

صفحة رقم 258

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية