وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال " لما وهب الله لزكريا يحيى، وبلغ ثلاث سنين بشر الله مريم بعيسى، فبينما هي في المحراب إذ قالت الملائكة - وهو جبريل وحده - يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك من الفاحشة واصطفاك يعني اختارك على نساء العالمين عالم أمتها يا مريم اقنتي لربك يعني صلي لربك يقول : اركدي لربك في الصلاة بطول القيام، فكانت تقوم حتى ورمت قدماها واسجدي واركعي مع الراكعين يعني مع المصلين مع قراء بيت المقدس.
يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك يعني بالخبر الغيب في قصة زكريا ويحيى ومريم وما كنت لديهم يعني عندهم إذ يلقون أقلامهم في كفالة مريم ثم قال يا محمد يخبر بقصة عيسى. إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا يعني مكينا عند الله في الدنيا من المقربين في الآخرة ويكلم الناس في المهد يعني في الخرق وكهلا ويكلمهم كهلا إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء ومن الصالحين يعني من المرسلين ".
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن وهب قال : لما استقر حمل مريم وبشرها جبريل، وثقت بكرامة الله واطمأنت، فطابت نفسا واشتد أزرها، وكان معها في المحررين ابن خال لها يقال له يوسف، وكان يخدمها من وراء الحجاب، ويكلمها ويناولها الشيء من وراء الحجاب وكان أول من اطلع على حملها هو، واهتم لذلك وأحزنه، وخاف من البلية التي لا قبل له بها، ولم يشعر من أين أتيت مريم، وشغله عن النظر في أمر نفسه وعمله لأنه كان رجلا متعبدا حكيما، وكان من قبل أن تضرب مريم الحجاب على نفسها تكون معه، ونشأ معها.
وكانت مريم إذا نفذ ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما ثم انطلقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيملآن قلتيهما ثم يرجعان إلى الكنيسة والملائكة مقبلة على مريم بالبشارة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك فكان يعجب يوسف ما يسمع. فلما استبان ليوسف حمل مريم وقع في نفسه من أمرها حتى كاد أن يفتتن، فلما أراد أن يتهمها في نفسه ذكر ما طهرها الله واصطفاها، وما وعد الله أمها أنه يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم، وما سمع من قول الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك فذكر الفضائل التي فضلها الله تعالى بها وقال : إن زكريا قد أحرزها في المحراب فلا يدخل عليها أحد وليس للشيطان عليها سبيل فمن أين هذا ؟
فلما رأى من تغير لونها، وظهور بطنها، عظم ذلك عليه، فعرض لها فقال : يا مريم هل يكون زرع من غير بذر ؟ قالت : نعم. قال : وكيف ذلك ؟ ! قالت : إن الله خلق البذر الأول من غير نبات، وأنبت الزرع الأول من غير بذر، ولعلك تقول : لولا أنه استعان عليه بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أن يخلقه ولا ينبته. قال يوسف : أعوذ بالله أن أقول ذلك، قد صدقت وقلت بالنور والحكمة، وكما قدر أن يخلق الزرع الأول وينبته من غير بذر، يقدر على أن يجعل زرعا من غير بذر، فأخبريني هل ينبت الشجر من غير ماء ولا مطر ؟ قالت : ألم تعلم أن للبذور والزرع والماء والمطر والشجر خالقا واحدا ! فلعلك تقول لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر. قال : أعوذ بالله أن أقول ذلك ! قد صدقت. فأخبريني هل يكون ولد أو رجل من غير ذكر ؟ قالت : نعم. قال : وكيف ذلك ؟ قالت : ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء امرأته من غير حبل ولا أنثى ولا ذكر قال : بلى. فأخبريني خبرك ؟ قالت : بشرني الله بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم إلى قوله ومن الصالحين فعلم يوسف أن ذلك أمر من الله لسبب خير أراده بمريم، فسكت عنها.
فلم تزل على ذلك حتى ضربها الطلق، فنوديت : أن اخرجي من المحراب فخرجت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك قال : شافهتها الملائكة بذلك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله يبشرك بكلمة منه قال : عيسى هو الكلمة من الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا عيسى ومحمد عليهما السلام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم قال : المسيح الصديق.
وأخرج ابن جرير عن سعيد قال : إنما سمي المسيح لأنه مسح بالبركة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن عبد الرحمن الثقفي أن عيسى كان سائحا ولذلك سمي المسيح، كان يمسي بأرض ويصبح بأخرى، وأنه لم يتزوج حتى رفع.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ومن المقربين يقول : ومن المقربين عند الله يوم القيامة.
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي