قوله عز وجل: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)
تسمية عيسى بالكلمة لقوله: (ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
ولفظة كن وإن كانت للأمر فموضوعة للابداع، وذاك أن
فعل الله ضربان: عادي وإبداعي
فالعادي ويسميه قوم الطبعي: هو الذي أجرى الله تعالى به العادة أن يكون في زمان ومكان، ومن أصل، وعلى وجه مخصوص وشيئا بعد شيء.
كخلقة الولد من النطفة والزرع من البذر.
والإبداعي: ما يوجده
دفعة من غير حاجة إلى زمان ولا من أصل كخلق آدم بل كخلق
العالم. وعبّر عن ذلك بكن إذ كان أسرع مفعول فيما بيننا ما كان
قولاً وأعم الألفاظ معنى الكونِ مع وجازة لفظ، وعلى ذلك قال:
(إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)
وقال الأصمّ: سُمّي عيسى كلمة، لأنه تعالى خلق كلمة، فجعل منها عيسى، كما خلق آدم من تراب، وسائر الناس من نطفة، وهذا كما
ترى، وقال الجاحظ: وصفه بذلك من حيث إنه تقدم
الإِخبار به وبشارته في الكتب المتقدمة، وهذا كما سَمَّى وعده
كلمة بقوله: (حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) وقوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) وقوله: (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ)
وقيل سُمي كلمة؛ لكونه متكلماً في المهد، وخُص بذلك لفظ الكلمة للمبالغة: كوصف الفاعل بالمصدر.
وقال النظَّام: جعل ذلك لقباً له لا لمعنى أشار إليه.
وسُمي مسيحًا، لأنه مُسِحَ بالبركة.
وقيل: لأنه ماسحاً للأرض لسياحته فيها، وقيل: لأنه مُسِحَ
بالجمال، وعنى بذلك الجمال النفسي والبدني جميعاً، من
الأخلاق الجميلة والفضائل الكثيرة، نحو قول النبي - ﷺ - في جرير "عليه مِسحة مَلَك ".
وقيل: لأنه كان ممسوحاً بالدّهن
لمّا وُلد" وقيل: سُمي به لأنه كان ممسوح القدمين لا أخمص
لهما، وقيل: هو فعيل بمعنى فاعل، كأنه سُمّي به لأنه كان
يمسح الأكمه والأبرص فيبرأ.
والجاه مقلوب عن الوجه،
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار