قوله جل ذكره : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ .
أخْلِصْ قَصْدَك إلى الله، واحفَظْ عهدك مع الله، وأَفرِدْ عملَكَ في سكناتِك وحركاتِك وجميع تصرفاتِك لله.
حَنِيفاً : أي مستقيماً في دينه، مائلاً إليه، مُعْرَضاً عن غيره، والزَمْ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا أي أثْبَتَهُم عليها قبل أن يُوجَدَ منهم فِعْلٌ ولا كَسْب، ولا شِرْكٌ ولا كُفْر، وكما ليس منهم إيمان وإحسان فليس منهم كفران ولا عصيان. فاعرف بهذه الجملة، ثم افعل ما أُمِرْتَ به، واحذر ما نُهِيتَ عنه.
فعلى هذا التأويل فإن معنى قوله : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا أي اعْرَفْ واعْلَمْ أن فطرة الله التي فطر الناس عليها : تَجَرُّدُهم عن أفعالهم، ثم اتصافهم بما يكسبون - وإن كان هذا أيضاً بتقدير الله.
وعلى هذا تكون فِطْرَتَ الله منصوبة بإضمار اعْلَمْ - كما قلنا.
سبحانه فَطَرَ كلَّ أحدٍ على ما عَلِمَ أنه يكون في السعادة أو الشقاوة، ولا تبديلَ لحُكْمه، ولا تحويلَ لما عليه فَطَرَه. فمَنْ عَلِمَ أنه يكون سعيداً أراد سعادته وأخبر عن سعادته، وخَلَقَه في حُكمه سعيداً. ومَنْ عَلِمَ شقاوته أراد أن يكون شقياً وأخبر عن شقاوته وخَلَقَه في حكمه شقياً. . ولا تبديل لحُكمه، هذا هو الدين المستقيم والحقُّ الصحيح.
لطائف الإشارات
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري