ﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬ

يقول تعالى : فسدِّدْ وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية، ملة إبراهيم الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، ولازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره، وقوله تعالى : لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله قال بعضهم : معناه لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، فيكون خبراً بمعنى الطلب، كقوله تعالى : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً [ آل عمران : ٩٧ ] وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون هو خبر على بابه، ومعناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة، ولا تفاوت بين الناس في ذلك، ولهذا قال ابن عباس لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله أي لدين الله، وقال رسول الله صلى الله عليه سلم :« ما من مولود يولد إلاّ على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعا » ثم يقول : فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدين القيم . وروى الإِمام أحمد عن الأسود بن سريع قال :« أتيت رسول الله ﷺ وعزوت معه، فأصبت ظفراً. فقاتل الناس يومئذٍ حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال :» ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية «؟ فقال رجل : يا رسول الله أما هم أبناء المشركين؟ فقال :» لا إنما خياركم أبناء المشركين، ثم قال : لا تقتلوا ذرية، لا تقتلوا ذرية، وقال : كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها « »، وعن جابر عن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ :« كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفرواً ».
وروى الإمام أحمد عن عياض بن حمار : أن رسول الله ﷺ خطب ذات يقوم فقال في خطبته :« إن ربي عزَّ وجلَّ أمرني أن أعلمكم ما جهلتهم مما عملني في يومي هذا : كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، ثم إن الله عزَّ وجلَّ نظر إلى أهل الارض فمقتهم عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من أهل الكتاب، وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظان، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت : رب إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال : استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، قال : وأهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف متعفف ذو عيال. قال : وأهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زِبْر له، الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلاّ خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلاّ وهو يخادعك عن أهلك ومالك »

صفحة رقم 1968

، وذلك البخيل والكذاب والشنظير الفحَّاش. وقوله تعالى : ذَلِكَ الدين القيم أي التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ أي فلهذا لا يعرفه أكثر الناس فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى : وَمَآ أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف : ١٠٣ ]، وقال تعالى : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله [ الأَنعام : ١١٦ ] الآية.
وقوله تعالى : مُنِيبِينَ إِلَيْهِ قال ابن جريج : أي راجعين إليه واتقوه أي خافوه وراقبوه وَأَقِيمُواْ الصلاة وهي الطاعة العظيمة وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين أي بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة لا يريدون بها سواه، قال ابن جرير : مر عمر رضي الله عنه بمعاذ بن جبل، فقال عمر : ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ ثلاث وهو المنجيات : الإِخلاص، وهي الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر صدقت. وقوله تعالى : مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم أي بدلوه وغيروه وآمنوا ببعض وكفروا ببعض؛ كاليهود والنصارى والمجوس وعبد الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإِسلام، كما قال تعالى : إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى الله [ الأَنعام : ١٥٩ ] الآية، فأهل الأديان قبلنا اختلوا فيما بينهم على آراء باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضاً اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلاّ واحدة، وهم أهل السنّة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في « مستدركه » أنه :« سئل رسول الله ﷺ عن الفرقة الناجية منهم قال :» من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي « ».

صفحة رقم 1969

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية