فأقم الفاء للسببية يعني لما ثبت وحدانيته تعالى وظهر أن المشركين إنما اتبعوا أهواءهم جاهلين فأقم أنت وجهك أي أخلص بوجهك للدين أي للإسلام حنيفا مائلا إليه مستقيما عليه غير ملتفت عنه إلى غيره فطرت الله منصوب على الإغراء أي إلزموا فطرة الله أي خلقته والمراد به دينه يعني الإسلام كذا قال ابن عباس وجماعة من المفسرين فالآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بتبعيته فالآية بمنزلة التأكيد أو التفسير لما قبله سماه فطرة لكونه لازما لكل مخلوق كما يدل عليه قوله : التي فطر الناس عليها خلقهم مستعدين لها متمكنين على إدراكها وقيل المراد به العهد المأخوذ من آدم وذريته بقوله : ألست بربكم قالوا بلى (١) قالوا كل مولود في العالم مولود على ذلك الإقرار وهو الحنيفة التي وقعت الخلقة عليها وقد مر ما ورد في هذا الباب في تفسير هذه الآية في سورة الأعراف عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم قرأ ( فطرت الله التي فطر الناس عليه لا تبديل لخلق الله ) (٢) متفق عليه يعني كل مولود يولد في مبدأ الخلقة على الجبلة السليمة والطبع المهيأ لقبول الحق فلو ترك عليها لاستمر على لزومها لان هذا الدين مركوز في العقول السليمة حسنه وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من الآفات كتقليد الآباء قوله تعالى لا تبديل لخلق الله الظرف المستقر خبر الله والجملة الخبرية معناه النهي يعني لا تبدلوا دين الله قال مجاهد وإبراهيم النخعي إلزموا فطرة الله واتبعوه ولا تبدلوا التوحيد بالشرك وقيل فطرة الله منصوب على المصدرية لفعل دل عليه ما بعده يعني فطر الله الناس فطرة التي فطرهم عليها حكي عن عبد الله بن مبارك قال معنى الحديث " كل مولود يولد على الفطرة " أي على خلقته التي جبل عليها في علم الله من السعادة أو الشقاوة وكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر الله عليها وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها وعلى هذا معنى قوله تعالى : لا تبديل لخلق الله يعني ما جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاوة لا يتبدل فلا يكون الشقي سعيدا ولا السعيد شقيا عن ابن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوالذي لا إله إلا غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الاذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " (٣) متفق عليه وهن أبي الدرداء قال :" بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكر ما يكون إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم بجبل زال عن ماكنه فصدقوه وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوه فإنه يصير إلى ما جبل عليه " رواه أحمد والمعنى على هذا التأويل أن الله فطر كلا على فطرة لا يتبدل وقد فطرك ومن معك سعداء فأقم وجهك للدين كأنه تعليل وتشجيع على الإخلاص وجاز أن يكون فطرة الله على هذا التأويل منصوبا تقدير ملتزمين فطرة الله التي فطركم عليها فوضع الظاهر يعني لفظ الناس موضع الضمير إشعارا بان الناس كلهم مفطورون على فطرة غير تاركوها فأنتم أقيموا وجوهكم للدين قال عكرمة ومجاهد يعني لا تبدلوا خلق الله والمراد منه تحريم إخصاء البهائم ذلك إشارة إلى الدين المأمور بالإقامة على التأويل الأول الدين القيم المستقيم الذي لا إعوجاج فيه ولكن أكثر الناس يعني كفار مكة لا يعلمون استقامة لعدم تدبرهم.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلي عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام (١٣٥٩) وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٢٦٥٨)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق باب: ذكر الملائكة (٣٢٠٨)..
التفسير المظهري
المظهري